يُفضل المواطن سعيد عبد الهادي (54 عامًا) قطع مسافة (3-5 كيلومترات) يوميًا، مشيًا على الأقدام من أجل قضاء احتياجاته من مختلف مناطق مدينة غزة، ذلك بعد أن شهدت أجرة المواصلات ارتفاعاً خمس أضعاف القيمة في ظل ما يمكن تسميته فوضى السوق، أي بمعنى فرض الأسعار طبقاً لمزاج مالك السلعة.
وأصبح الحد الأدنى لأجرة ركوب التاكسي أو الباص في غزة، سبعة شواكل (2 دولار أمريكي)، فيما كانت لا تتجاوز شيكلًا واحدًا قبل الحرب الإسرائيلية على القطاع والتي اندلعت في أكتوبر 2023 ولم تزل.
هذا الغلاء المفاجئ أثقل كاهل المواطن عبد الهادي ماديًا، وأجبره على تغيير أسلوب حياته، فأصبح يعتمد على المشي على الأقدام بدلاً الالتزام بركوب المواصلات التي باتت تحتاج إلى تخصيص ميزانية لا تقل في قيمتها عن ميزانية الانفاق على الطعام والشراب.
وقال المواطن عبد الهادي الذي التقيناه بعد قطع مسافة تزيد عن خمس كيلومترات من أجل الحصول على طرد غذائي يحتوي على معلبات: "سيكلفني هذا الطرد أجرة نقل إلى البيت عبر عربة يجرها دواب 50 شيكلًا؛ فيما أن قيمة الطرد ذاته لا تتجاوز الـ60 شيكل، لذلك أفضل بيعه على نقله إلى البيت بسبب غلاء أجرة المواصلات".
يأسف الرجل لما وصل إليه حال السكان في غزة، قائلاً: "ما يحصل يعد ضربا من ضروب الجنون، كل شيء سعره زاد أضعافًا. كنا ننتقل من غزة إلى أقصى القطاع بمبلغ 20 شيكلًا، أما الآن، هذا المبلغ لا يكفي لمواصلات داخل مدينة غزة نفسها".
وتشكل هذه الشكوى صوت الآلاف من سكان غزة الذين يضطرون للتحرك يوميًا لقضاء احتياجاتهم من مختلف أنحاء قطاع غزة ويعانون غلاءً فاحشًا في أسعار النقل والمواصلات. يتزامن هذا مع معاناة السكان من ارتفاع معدّلات البطالة وفقدان الغالبية لمصادر دخلهم، وحتى أولئك الذين ما زالوا على رؤوس أعمالهم يواجهون صعوبة بالغة التكيف مع الأسعار الجديدة.
ويطرح الكثيرون من الناس تساؤلات حول دور الجهات المعنيّة في ضبط أسعار المواصلات. وفقًا لقانون حماية المستهلك بند 21 لعام 2005، فإنّ وزارة الاقتصاد مسؤولة عن توفير السلع والخدمات ومنع الاستغلال والتلاعب في الأسعار.
حول ذلك، قال عبد الفتاح أبو موسى، مدير عام حماية المستهلك، في تصريحٍ لمراسلة "آخر قصة": "ليس من اختصاص وزارة الاقتصاد ضبط أسعار المواصلات، بل يعود ذلك إلى وزارة النقل والمواصلات، بينما يقتصر عملنا على ضبط أسعار المواد الغذائية في الوقت الحالي"، ما يُشير إلى عدم وضوح دور الوزارة في ضبط تسعيرة المواصلات؛ الأمر الذي يثير استياء المواطنين الذين لا يجدون حلولًا فعالة لتخفيف العبء المالي الذي يواجهونه يوميًا نتيجة لارتفاع أسعار النقل.
واقع يشير إلى غياب الدور الفعّال للجهات الرقابية، مما يحدّ من وجود حلول قريبة للتخفيف من معاناة المواطنين في غزة. هؤلاء المواطنون الذين أصبحوا غير قادرين على مواكبة المستوى المعيشي الجديد، خاصة مع استحداث مصاريف إضافية لم تكن موجودة من قبل؛ ما أثر بشكٍل مباشر على قدرتهم الشرائية في القطاعات الأخرى.
ويعاني الغزيون من تدهور في صحتهم الجسدية والنفسية، كواحدة من تدّاعيات الحرب عليهم، لا سيما بسبب اضطرارهم للمشي نتيجة رفع السائقين تسعيرة المواصلات.
تقول أبرار زياد (30 عامًا)، التي تعمل كمصممة مواقع وجرافيك: "أضطر يوميًا للمشي من معسكر جباليا إلى شارع الوحدة في مدينة غزة. بعد ساعات طويلة من العمل، أصبح من الصعب عليّ مواصلة السير، فأركب أحيانًا وسيلة نقل للوصول إلى أقرب مكان لخيمتي على الطريق العام بتكلفة 10 شواكل وهو مبلغ مرهق جدًا بالنسبة إليّ".
وتضيف أبرار أنّها تواجه صعوبة في الانتقال من مكان سكنها في جباليا شمال القطاع الذي يشهد دمارا كاملا في البنى التحتية نتيجة الحرب، حيث أن الشوارع تغمرها مياه الصرف الصحي، ما يتسبب في اتساخ ملابسها، وبالتالي فإن استقلال سيارة أجرة يصبح أمرا ضروريا"، لذلك طالبت الجهات المختصة بإيجاد حل لغلاء تسعيرة المواصلات.
يارا محمد (22 عامًا)، وهي طالبة في جامعة غزة، لها تجربة لا تقل معاناتها عن سابقتها، حيث قالت: "أحتاج إلى 30 شيكلًا يوميًا للتنقل من حي التفاح شرق مدينة غزة إلى حي الرمال وسط المدينة، لتكملة دروسي في دورة تدريبية إثرائية، في حين كان هذا المبلغ لا يتجاوز 6 شواكل قبل الحرب". ومع زيادة أسعار المواصلات، توقفت يارا عن المواظبة على حضور دروسها، خاصة وأنها تعاني آلاماً في العظام بعد الحرب.
وأمام شكاوى المواطنين ومعاناتهم المتزايدة مع ارتفاع تكاليف المواصلات، التي يرجعها البعض إلى محدودية وسائل النقل العامة بفعل التدمير الناتج عن الحرب، وانعدام قطع الغيار وارتفاع أسعار الوقود. فإن المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات أنيس عرفات، برر عدم اتخاذ الوزارة أيّة إجراءات لضبط أسعار المواصلات، بقوله إن ارتفاع أسعار المحروقات التي يشتريها السكان من السوق السوداء، وتضاعف تكلفة الصيانة بعد الحرب، وشُح الوقود والغاز في السوق المحلي نتيجة للحصار الإسرائيلي على غزة، أدى إلى تدهور وضع قطاع النقل.
يتقاطع حديث ممثل الوزارة مع ما أكد عليه سابقا رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، سلامة معروف، أن غلاء أسعار المواصلات يعود إلى نفس العوامل، مشيرًا إلى الدمار الهائل في قطاع المركبات الذي وصل إلى 30-40% منها خلال الحرب؛ ما جعل القطاع يُعاني نقص حادّ في الموارد الأساسية. ومع ذلك، لم يشر معروف إلى أية خطوات عملية أو حلول ملموسة لتخفيف العبء عن المواطنين، مما يترك العديد من الأسئلة دون إجابة حول دور الجهات الحكومية في معالجة هذه الأزمة.
انسجاما مع الرأي السابق، أشار الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب، إلى أن غلاء أسعار المواصلات في غزة يرجع إلى منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الوقود والقطع اللازمة لقطاع النقل، بالإضافة إلى تدمير عدد كبير من سيارات النقل العام.
وأضاف أبو جياب أن السائقين أصبحوا يشترون المحروقات من السوق السوداء بأسعار باهظة، مما يفسر الزيادة الكبيرة التي طرأت على تسعيرة المواصلات.
وأكد أنه لا يوجد حل لهذه الأزمة سوى رفع القيود الإسرائيلية عن المعابر والسماح بدخول كميات كافية من الوقود والمحروقات وقِطع الغيار والصيانة.
يُفاقم استمرار الحصار الإسرائيلي وقطع إمدادات الوقود، الأزمة الإنسانية في غزة، مما يلقي بالمسؤولية على كاهل المنظمات الدولية الفاعلة، باتجاه دفع الاحتلال نحو السماح بإدخال المحروقات إلى القطاع، وتوفير احتياجاتهم الماسة، وإلا فستبقى معاناة الغزيين مستمرة إلى أجل غير مسمى.