بينما كان الصحفي الفلسطيني محمد البردويل ممسكًا بمصحفه، غارقًا في تلاوته، باغتته غارة إسرائيلية مسحت اسمه وعائلته من السجل المدني. لحظات مروعة عاشها أهل خانيونس جنوب قطاع غزة، بعد استهداف منزله، في مشهدٍ يختصر مأساة الفلسطينيين الذين لا يجدون ملاذًا آمنًا حتى بين جدران بيوتهم.
"لا ملجأ منك إلا إليك"
قبل استشهاده بساعات، كتب البردويل عبر حسابه على فيسبوك كلمات تُجسّد حجم الضيق والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل الحرب المستمرة:
"ربنا ضاقت علينا وعلى أهلنا الأرض بما رحبت، بل وصلنا مرحلة متقدمة وأنت أعلم بأن ضاقت علينا أنفسنا، وبتنا ندرك يقيناً أن لا ملجأ منك إلا إليك فلا تردنا خائبين خاسرين؛ حاشاك!"
كأنها كانت رسالة وداعٍ أخيرة، ترجّع صداها في قلوب كل من عرفه، وترك أثرًا لا يُمحى في نفوس زملائه وأحبّائه.
الوداع الأخير وسط الدمار
لحظات القصف الأولى وثّقتها عدسات الجيران والمصورين. تحت الأنقاض، ظهر المصحف الشريف بجواره، وكأنه آخر ما بقي من رحلة رجلٍ عاش حياته بين الكلمة والصوت والقرآن. روى أحد جيرانه تفاصيل المشهد:
"ناس نايمين، زلمة بقرأ القرآن، مات وهو ماسك القرآن، مات والقرآن جنبه."
محمد، الذي كان مذيعًا في إذاعة الأقصى، لم يكن مجرد صحفي، بل كان قلبًا نابضًا بالإنسانية. عُرف بتفانيه في خدمة الناس، وكان من أوائل من بادروا إلى دعم الأعمال الخيرية والإغاثية في غزة، خاصة عبر برامج تحفيظ القرآن الكريم.
مجزرة تمحو عائلة كاملة
لم يكن محمد وحده في رحلته الأخيرة، بل استشهدت زوجته وأطفاله معه، في مشهدٍ يعكس وحشية المجازر التي لا تفرّق بين صحفيٍ أو مدني، بين طفلٍ أو شيخ. ومع ارتقاء البردويل، ارتفع عدد الصحفيين الشهداء في قطاع غزة إلى 209 منذ بداية العدوان، وفق ما أكده المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
وطالب الإعلام الحكومي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والمنظمات ذات العلاقة بالعمل الصحفي والإعلامي في كل دول العالم إلى إدانة جرائم الاحتلال وردعه وملاحقته في المحاكم الدولية على جرائمه المتواصلة وتقديم مجرمي الاحتلال للعدالة، كما ونطالبهم إلى ممارسة الضغط بشكل جدي وفاعل لوقف جريمة الإبادة الجماعية، ولحماية الصحفيين والإعلاميين في قطاع غزة، ووقف جريمة قتلهم واغتيالهم.
غضب وتنديد
تصاعدت الدعوات لمحاسبة الاحتلال على استهداف الصحفيين الفلسطينيين، وسط مطالبات وجهها المكتب الإعلامي في غزة إلى الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب لإدانة هذه الجرائم الممنهجة بحق الإعلاميين الفلسطينيين.
الناشط محمد عبد العزيز ودّع صديقه قائلًا: "الأخ الحبيب القريب، السند بعد الله تعالى خلال الحرب، فقدك كبير ولا يسد فراغك أحد."
أما المصور الصحفي أحمد إبراهيم فقد علّق على صورة محمد وهو يحتضن المصحف:"هذه نهاية طريق الصالحين، لم يفارق محمد كتاب الله، واستشهد وهو يحتضنه."
محمد البردويل لم يكن مجرد اسمٍ في قائمة الشهداء، بل كان صوتًا فلسطينيًا لا يُنسى، وحكاية لن تُمحى من ذاكرة وطنٍ لا يزال ينزف، لكنه لا ينكسر. رحل محمد، لكن صوته سيظل شاهدًا على الحقيقة، وحبر قلمه سيبقى يُكتب في سجل الحرية.