في حزيران من العام الماضي، تعرّض إسماعيل علي، موظف يتلقى راتبه من الحكومة الفلسطينية برام الله، إلى عملية نصبٍ عبر صفحة وهمية تحمل اسم أحد البنوك المحلية، وتدعي تقديم خدمات إلكترونية للمواطنين.
وتفاعل الموظف علي مع صفحة البنك الوهمية، بغاية فتح حساب توفير، لكن المحتال الذي يُدير الصفحة الإلكترونية طالبه برقم بطاقة حسابه الجاري، وأكّد له أنّ العملية تتطلب إرسال الرمز السري "الكود"، لأجل تنشيط حساب التوفير، ففعل الرجل من فوره.
بعد ساعات اكتشف الرجل وقوعه في الفخ، حيث تلقى عدة رسائل نصية عبر هاتفه تشير إلى حصول تحويلات مالية من رصيده داخل البنك لصالح أشخاص آخرين، بقيمة (11 ألف) شيكل.
على إثر ذلك، سارع الموظف علي للاتصال بالبنك عبر طرق الاتصال المعروفة (الاتصال المباشر- مجموعة واتساب) في ظلّ إغلاق أفرع البنك في قطاع غزة نظراً لدمار مقرّاته بسبب الحرب.
ثم ألحق الاتصال بتقديم شكوى مكتوبة مشفوعة بنسخة من بطاقته الشخصية، إلى جانب إرسال شكوى إلى سلطة النقد الفلسطينية، وكذلك قدَّم بلاغًا لدى جهاز المباحث الشرطية في دير البلح وسط القطاع، ومع ذلك لم يتمكن من استرجاع أيّ من القيمة المسروقة.
وطبقاً لما قاله الموظف علي، فإن ردّيّ البنك وسلطة النقد في حينه قد تطابقا، إذ أشارا إلى أنّه لا يمكن الوصول إلى حلّ إلا بعد وقف إطلاق النار، ولكنه أوضح أنه مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في التاسع من يناير الماضي، أجرى اتصالات مجددة مع الطرفين لكن لم يحصل على نتيجة.
لم تكن تلك الحادثة الوحيدة؛ فقد اشتكى العشرات من المواطنين من تعرضهم لعمليات نصب واحتيال عبر صفحات وهمية تدعي زوراً أنها تابعة للبنوك المحلية الفلسطينية. كما تفاجأ آخرون بخصومات تم سحبها من أرصدتهم دون أن يكون لهم أي نشاط شرائي إلكتروني.
في الأثناء قامت مراسلة "آخر قصّة" بالتحدث عبر رقم العملاء مع البنك الذي يدار مقره الرئيس من رام الله، فتبين أن دور الأخير يقتصر على تعبئة طلب الشكوى من العميل، ثم إرساله إلى شركة "فيزا" العالمية، التي تبحث بدورها في قضايا الاحتيال، موضحًا أن هذه العملية تستغرق عادة ما بين 20 إلى 40 يومًا.
حملنا أسئلة الجمهور، إلى شركة "فيزا" العالمية، عبر موقعها الإلكتروني، للحصول على إجابات تتعلق بمستقبل أموالهم التي جرى سرقتها، لكن دون جدوى لم نتلقَ أيّ رد.
من جهة أخرى، أكّد المستشار القانوني أحمد المصري، الذي يتابع العديد من حالات النصب، أن ردّ البنك غير دقيق ومنافٍ للواقع، مشيرًا إلى أن الوصول للبنك يعد أصعب مرحلة يمكن أن يمر بها العميل.
ويشير المصري إلى أنّ عمليات النصب الإلكتروني أصبحت واحدة من أبرز الأساليب التي تستغل المواطنين في ظلّ نقص السيولة في القطاع منذ بداية الحرب الإسرائيلية. وأضاف أنَّ هناك العديد من الحالات التي تعرضت للنصب بشكلٍ مباشر، إذ يجري استغلال ظروف المواطن من خلال تقديم وعود كاذبة بتحويل أموال مقابل الحصول على معلومات حساسة مثل رقم البطاقة والرمز السري، وهو ما يؤدي في النهاية إلى سرقة الأموال.

حازم زملط، موظف في حكومة رام الله، تعرض لحادثةٍ مشابهة بما مرّ به الموظف علي، وذلك بعدما تواصل مع صفحة وهمية تدّعي إرسال مساعدات مالية لسكان غزة، وبعد إرسال بياناته، فوجئ بسحب مبلغ 8 آلاف شيكل من حسابه قبل أن تُغلق الصفحة.
يقول زملط وهو يضرب كفيه ببعضهما البعض، "أُعيل أسرتي وأطفالي من هذا الراتب، لا أعرف ماذا سأفعل الآن، قدَّمت شكوى للبنك والشرطة المحلية في جباليا شمال القطاع، لكن لم مع الأسف لم أحقق أيّ تقدم في استرجاع أموالي".
وبحسب مصدرٍ مسؤول في مباحث الجرائم الإلكترونية بقطاع غزة، فإنهم يتلّقون يوميًا حوالي 8 شكاوى من المواطنين الذين تعرّضوا للنصب الإلكتروني.
وأوضح المسؤول الذي رفض الإفصاح عن هويته، أنّ المباحث تبذل ما في وسعها لمساعدة المواطنين في استرجاع بعض المبالغ، وقد نجحت بالفعل في استرجاع حوالي 40 ألف دولار من شبكة احتيال كانت تعمل داخل القطاع؛ إلا أن هذه الجهود ما زالت تقابل بعوائق كبيرة، "منها غياب البنوك عن العمل في القطاع، بالإضافة إلى تحويل الأموال من شبكات النصب إلى خارج القطاع".
وفي استطلاع أجرّته معدة التقرير، عبر إحدى مجموعات الواتساب الخاصة بمشاكل المواطنين، تبين أنّ حوالي 500 موظف من وكالة الغوث تعرضوا لعملية نصب من قبل زميل لهم كان قد وعدهم بتحويل رواتبهم عبر تطبيق بنكي خاص به، مما أوقعهم في فخ الاحتيال، ثم اختفى زميلهم المحتال، وأكد غالبيتهم أن محاولاتهم للحصول على حقهم بالقانون قد باءت بالفشل في ظلّ تعطيل قطاع العدالة في غزة.
ونظرًا لتعذر الوصول إلى قطاع العدالة للحصول على تعويضات من قبل الأشخاص الذين تعرضوا للاحتيال، حاول البعض أخذ الحق باليد؛ مما أسفر عن وقوع جرائم.
يقول المحامي المصري، إنّ المنظومة الأمنية والقضائية في القطاع تعاني ضعف شديد، فإنّ هذا الأمر قد دفع البعض للجوء إلى أخذ الحق باليد، مما أدى إلى وقوع جرائم قتل في بعض الحالات، مثلما حدث في رفح جنوب القطاع، حيث سُجلت 4 حالات قتل بسبب جرائم النصب الإلكتروني".
حاولت معدة التقرير إجراء مقابلة مع سلطة النقد وهي الجهة الأساسية المسؤولة عن الرقابة على أداء البنوك الفلسطينية، للوقوف على دورها حيال الأشخاص الذين تعرضوا للاحتيال، لكن الأخيرة طالبت تأجيل المقابلة عدة مرّات؛ وفي نهاية المطاف لم تقدم رداً.
إزاء ذلك، قال المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، إنّ البنوك وسلطة النقد قد تخلتا عن مسؤولياتهما في التوعية حول قطاع الشمول المالي، متمثلًا في المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية.
يعتمد الاحتيال في هذا المجال، وفقًا لحديث أبو قمر، على ثلاث ركائز: الأولى هي انتشار الظاهرة، حيث استغل المحتالون غياب السيولة في القطاع، والثانية هي بناء الثقة بين المحتال والضحية، والثالثة هي الوعد بتحقيق ربح سريع، ما يسهم في وقوع ضحايا جدد.
وأكّد أنه لا يمكن الوثوق بشكلٍ كامل في القطاع المالي، ولا حتى في المحافظ الإلكترونية نفسها، التي غالبًا ما تكون غير آمنة.
تُظهر هذه الحالات مدى التهرب والتقصير الذي تشهده البنوك وسلطة النقد في قطاع غزة، في ظلّ غياب آليات قانونية فعالة تضمن حقوق المواطنين في استرجاع أموالهم.