شهدت الساحة السورية تحولات سياسية واجتماعية عميقة مع سقوط نظام الأسد في الثامن في ديسمبر/ كانون الثاني الماضي، وانعكست هذه التغيرات على مواقف الشخصيات العامة، لا سيما الفنانين، الذين لعبوا دوراً محورياً في تشكيل الوعي العام – دفاعاً أو مناهضة للنظام السابق- خلال سنوات الصراع.
وأثار حضور الفنانين في مؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي انعقد في دمشق في 25 شباط/ فبراير 2025، تفاعلاً واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبر مشاركتهم خطوة إيجابية لتعزيز الوحدة الوطنية، ومن انتقد وجود بعض الشخصيات بسبب مواقفها السياسية السابقة.

انقسام مستمر
كان الجدل الأبرز حول دعوة سلاف فواخرجي، التي اعتذرت لاحقاً عن الحضور بعد موجة انتقادات، إذ رأى بعضهم أن مشاركتها غير مرحب بها نظراً لدعمها النظام السابق.
في المقابل، أشادت بعض الآراء بحضور فنانين معروفين بمواقفهم المحايدة أو المعارضة، معتبرين أن وجودهم يُضفي مصداقية على المؤتمر. كما أُثيرت تساؤلات حول طريقة توجيه الدعوات، إذ أفادت تقارير إعلامية بأن بعضها جاء في اللحظات الأخيرة، مما دفع بعض المدعوين إلى الاعتذار عن المشاركة.
تعكس هذه التفاعلات الانقسام المستمرّ في الشارع السوري، بين الرغبة في إشراك جميع الأطياف في الحوار الوطني، والاعتراض على حضور شخصيات ذات خلفيات سياسية مثيرة للجدل.
وبينما بقي بعضهم ثابتاً على مواقفه سواء من خلال ولائه "للثورة" وكان معارضاً لنظام الأسد الابن، أو ممن فضل الحياد والصمت في ظل السلطة السابقة واختاروا "التكويع" وفقاً للمعطيات الجديدة. أو ممن لا يزال يعلن رفضه لحكم هيئة تحرير الشام ذات التوجه الإسلاموي بناء على روابطها الايديولوجية السابقة بـ "تنظيم القاعدة"،. لا يزال السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل يجب أن يُحاسب الفنان على موقفه السياسي، أم أن التكيف مع الواقع الجديد ضرورة تفرضها المرحلة؟.

الفن بين الضمير والمصلحة
مع التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا، وجد الفنانون أنفسهم أمام خيارات صعبة بين الثبات على مواقفهم أو إعادة تموضعهم وفقا للمرحلة الجديدة، مما جعلهم موضع جدل مستمر. فهناك من ظل ثابتاً ومحافظاً على حياده الشعبي، مثل منى واصف التي أكدت أن الفنان يجب أن يكون مع الناس لا مع السلطة، بينما اختار آخرون التراجع عن مواقفهم السابقة وإعلان مراجعتها، خصوصاً أولئك الذين دعموا النظام في مراحل سابقة ثم بدأوا بإعادة النظر علناً.
في المقابل، يحاول البعض التكيف مع المشهد الجديد دون الاعتراف الصريح بمواقفهم السابقة، متجنبين الوضوح السياسي. يعكس هذا الواقع العلاقة المتشابكة بين الفن والسياسة في سوريا، بحيث لم يعد بإمكان الفنانين البقاء خارج الإطار السياسي، فالفن لم يعد مجرد أداة تعبيرية، بل أصبح جزءاً من الصراع على الهوية والمستقبل، مما يجعل كل موقف فني محمّلاً بأبعاد سياسية واجتماعية عميقة.
الفن في المرحلة الانتقالية
شهد مؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي انعقد في دمشق، مشاركة واسعة من مختلف أطياف المجتمع، بما في ذلك عدد من الفنانين البارزين الذين ناقشوا مستقبل سوريا ودور الفن في تعزيز الوحدة الوطنية.
كان لافتاً حضور أسماء مثل منى واصف، كاريس بشار، سلاف معمار، سامر إسماعيل، مكسيم خليل، تيسير إدريس، ورشا شربتجي، إلى جانب مشاركة فنانون عبر الاتصال المرئي مثل جمال سليمان، يارا صبري، وريم علي.
في إحدى المداخلات، شددت منى واصف على أهمية الفن في تجسير الفجوات بين مختلف شرائح المجتمع، مؤكدة أن الفن لا يجب أن يكون أداة في يد السلطة، بل وسيلة لتعزيز الوعي المجتمعي. كما دعا الكاتب سامر رضوان إلى توثيق الأحداث التاريخية التي مرت بها سوريا في الأعمال الفنية، معتبرًا أن الدراما يمكن أن تكون مرآة للواقع لا وسيلة لتزييفه.

هل التغيير خيانة؟
لطالما كان الفن مرآة للمجتمع، لكن عندما تتبدل المواقف السياسية للفنانين، ينقسم الجمهور بين من يرى في ذلك "نفاقاً"، ومن يعتبره "تكيفاً" مع المتغيرات الجديدة. بالمقابل، يرى بعضهم أن الفنان، كشخصية عامة، مسؤول عن تصريحاته واختياراته، خاصة إذا كانت مواقفه السابقة قد ساهمت في دعم الظلم. بينما يرى آخرون أن الزمن قد يفرض مراجعات ضرورية، ويجب منح الجميع فرصة جديدة للمساهمة في بناء سوريا الجديدة.
في النهاية، الفنانون الذين اختاروا أن يكونوا مع الناس، وليس مع السلطة، هم الأكثر قدرة على البقاء في الذاكرة الشعبية. وبينما تحاول سوريا إعادة بناء نفسها بعد سنوات من الصراع، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للفن أن يكون جسراً حقيقياً للمصالحة، أم أنه سيظل ساحة أخرى للصراع بين الماضي والمستقبل؟