الأدب __ الكاتب __ صوت جرش
كم يساوي الأدب؟ وبكم الكتاب؟ هذان السؤالان ليسا للإثارة ولا الاستفزاز، بالرغم من أنهما للوهلة الأولى يبعثان على القلق، لا سيّما عند من يمتلك نظرةً ساميةً وطهرانية للأدب، ويُنظر إليه إلهامًا كأنه وحيٌّ يوحَى، مصدرُه الخيال، ومضمارُه لغةٌ ومجازٌ، ومشاعرُ عميقةٌ، وبحث عن خلاص.
للتخفيف من صدمتنا المحتملة علينا أن نعلم بأن الموضوع يُطرح في المحافل الأدبية بكلّ جدّية، إذ فضلًا عن الفهم التسليعي للثقافة عمومًا في مجتمعات الاستهلاك حيث اختفت الظلال "الرومانسية"، يتساءل أكاديميون ونقادٌ للأدب عن الوضع الراهن للأدب من نواح مختلفة. منها مخاوفُ تقادمت أثارها تزفتان تودروف (1939ـ2017) في كتابه "الأدب في خطر" (2007) حذّر فيه من هيمنة التحليلات الشكلانية والمناهج التفكيكية أجْلَت من ساحتها المعنى والدلالة والمؤلف نفسه، وهو ما عُدَّ نقدًا ذاتيًّا من أحد كبار أقطاب المدرسة البنيوية. ومنها جديدٌ ما فتئ أكاديميون ودارسون رصينون يراجعون فيه المسلّمات القديمة حول جدوى الأدب، بين النظرية والنص، وأيُّ حضور لهما وقيمة وتأثير بل ما موضوعهما حالًا؟
كتابان جديران بالاهتمام من إصدارات نهايات العام في باريس يعيدان النظر في توافقات كلاسيكية ويتساءل مؤلفاهما عن قضيتين محورتين: الأولى، من خلال كتابL’ordinaire de la littérature مع عنوان فرعي: Que peut (encore) la littérature " (ماذا يستطيع الأدب، بعد" لفلوران كوست (لافابريك، 2024).
عملٌ موجّهٌ للمختصين وأبعد منهم نظرا لمعالجتها المكانة المتذبذبة التي باتت تعرفها النظرية الأدبية اليوم حتى قيل إنها في حالة موت دماغي، وأن مجدها انكفأ وراءها.
ومن يرجع إلى السبعينات والثمانينات بعدها لا بدّ سيلاحظ الاكتساح الذي كان لها في الأوساط الجامعية الفرنسية أولا، ثمّ انتقال نفوذها بأعلامها الكبار (منهم جاك دريدا، بول ريكور، روني جيرار) إلى ما وراء الأطلسي فأنشأت مدرسة مستقلة French Theory أقرب إلى شبكة من المفاهيم والمناهج ثم عادت إلى عُقر دارها لتخلخل القواعد الكلاسيكية وتخضع النصوص لاختبارات بنيوية وسيميائية، أولًا.
تضاءلت مكانتها اليوم في المحافل الأكاديمية وإن ظلت الحاجة إليها وسيلةً لتعميم وبناء المفاهيم، مقابل النقد الأدبي الذي ينصبّ على تحليل نصوص محددة والحكم عليها. ويمكن وضعها في مرتبة "محفل لرقابة ما بعد النقد" ولوضع سُنن للقراءة بعد تقييم المتون.
الكتاب الثاني هو الأهم، والرائد في تناول مسائل وإشكاليات هذا الموضوع، ذلك أن مؤلفَه أنطوان كومبانيون مهّد له منذ سنوات بكتاب أصبح مرجعًا بعدما رمى النظرية بسهام النقد والمساءلة المشككة مرتابًا في خفاياها، نعني مؤلفَه le démon de la théorie أو شيطان النظرية" (1998).
يرصد فيه كيف تمأسست، وبعد ذلك لحقها الإجهاد لتتحول إلى "تقنية بيداغوجية صغيرة" دافعًا بها للعودة إلى "المعنى أو الحسّ المشترك" السابق وتشتبك معه. مع كيفية قراءة الأدب وفهمه وأدوات الفهم، قادته إلى طرح السؤال الدفين والتشكيكي وليد الليبرالية الجديدة: La littérature, pourquoi faire (لِمَ يصلح الأدب؟) (2007).
هذه غيّرت المعايير وزحفت على الحياة والسوق تزعزع المنتجات الرمزية وتستبدلُها بقِيَمٍ أخرى. كان من الطبيعي أن يولِّد الأستاذ في الكوليج دوفرانس من هذا السؤال إلى نتائجه الحتمية، وباستعمال المصطلح نفسه دائماً (الأدب)، ولكن عبر ربطه بعلائق ومفاهيم وخصوصًا مصالح أخرى. هذا ما تمّ تنزيله في كتابه الأخير بعد تقاعده والتحاقه عضوًا بالأكاديمية الفرنسية يملك قدرة الكتابة والتحليل بدون ضوابط أكاديمية صارمة.
عنوانه مثير ومتفاوت المعنى: "La littérature ça paye" (Equateurs)، حسب سياق الاستعمال، بالإجمال قابلٌ أن يعطيَ: "الأدب مُجزٍ"؛ "الأدب له مردود، أو ذو استحقاق" يعترف المؤلف نفسه أنه عنوانٌ صادمٌ بل مستفز: "لديّ شعور أن بيننا من يشك فيه [الأدب] في قيمته، سلطته، فائدته (...) وألخِّص هذه الرِّيبة في بضع كلمات : الأدب ذو مردود، أو ما عاد له أي مردود" (7).
يذهب إلى القول بأنه في مجتمع تتحكم فيه قوانين السوق لابد من التساؤل ماذا يساوي الأدب كإيداع؟ بل ما مردوده، وأيُّ استثمار ننتظر من وراء القراءة" (9).
وبشكل أدقّ يحدد كومبانيون جوهر عنوانه في معنيين: "ماذا يعطي الأدب لمؤلفه" و"ماذا يعطي للقارئ". وقبل أن نمضيَ في تشريح العناوين الكبرى علينا أن نثق في نيّة المؤلف الذي يُنصِّب نفسه مدافعًا عن الأدب متضامنًا مع زميل له (ريشار مِيِّي) استشرف قبله أفول الأدب الفرنسي وندّد بأَمْركته وتسليعه، متهمًا بأن أغلب الروايات تُنشر لغرض تجاري ولإعدادها للجوائز. يرفض كومبانيون الاستسلام للنزعة الانهزامية مقابل التصدي لها بالبحث عن الأسباب.
أولها، ما يحصل عليه الكُتاب من وراء الأدب، قلةٌ منهم يعيشون بقلمهم، أو لهم مصدر عيش. بودلير الأكثر مبيعاً اليوم ويمثل شعر القرن التاسع عشر عاش في الفقر وبإكراميات مدراء الصحف وأمّه، ولكنّه لم يخطئ في أنه بشعره سيحصد الثمار في المستقبل".
في 6 أيلول/ سبتمبر 2012 نشرت لومند بيانًا لمحترفي الكتاب يشتكون فيه من وضعهم خُدّامًا للأفكار وصور العالم، بينما آخرون فهموا أن الكتاب سلعةٌ لجني الأموال". أصحاب الكتاب واسع الرواج من يكسبون وهم قلة، والأغلبية معوِزون وهم بين نارين، إن نجح عملُهم في المكتبات، أعطى المردود، فهذا مُريبٌ ولن يستمر، ويصبح مستقبل كتاب نقيضًا لحياته الحاضرة، خاصية حديثة تطبع الأدب.
ولكي يكون الأدب ذا مردود يحتاج إلى سرعة في الإنجاز لربح الوقت، فالوقت ثمين، وإذن، إلى قراءة أقل، والقراءة هي التي تصنع الكاتب، من يكون بدونها! ثم يلتفت البروفيسور كومبانيون إلى وجه آخر من عنوانه: مشاكل العقود، التسبيقات، حقوق المؤلف. ثم هناك الأدب المُدرُّ للربح قرينٌ بأسماء محدودة ومتكررة وآخرون وراءها من بعيد.
هناك وجه مختلف لمسألة المردودية تعني القارئ، كيف يستفيد من استثمار وقته وجهده في القراءة. ثم ما هي الكتب التي بعبارة (فليب دجيا) النافعة التي بها نعبُر الشارع، قل الحياة؟ ما يقود إلى التمييز بين كتابة الفن للفن (بروست، مثلا) او للفائدة واغتنام العيش (سلين، مثلا). ما يطرح سؤال: لِمَ يصلح الأدب؟ يردد الكورال إنها لا تصلح لشيء، لِم لا فهذا جيد، نحتاج في عالم كلُّه نفعيٌّ لما لا يصلح لشيء، لفكرة الفن للفن المعارضة للمادية والوضعية والرأسمالية. يستشهد كومبانيون ببودلير وفاليري، وهو يندُب حظَّ عالم تسلّع فيه الأدب ويكاد يفقد جدواه.