عن الدار المصرية اللبنانية، صدرت للكاتب عمار على حسن، ثلاثيته الروائية "المطاريد" عبر عوالم جديدة من السرد الحميمي والمدهش والتي تتوالد من خلاله الكثير من الثنائيات مثل "الخوف السكينة/ القتل/ والبراءة، الليل/ النهار الضوء/ والظل"...
يواصل عمار علي حسن في هذه الثلاثية الكشف، ان لم نقل فضح، بنية المجتمع المصري، فتتجلى معاني الإنسانية والرحمة، بل وتأوييل الحدث، عبر فلترته وتفتيته، ومن ثم مزج الغرائبي مع الواقع المعيش عبر حادثة قتل غير عابرة. بل انه إستدعاء لإرث ثأري/ إنتقامي ظلّ راسخاً في تلافيف البنية المجتمعية والمعيشية والسلوكية، في مناحي مصر المحروسة، في قرى ونجوع الجنوب، بل والشمال أيضا. بل انها سلسلة من تراكمات عبر عقود، بل قرون، غذاها ثالوث " الفقر/ الجهل/ المرض".
صراع البشر
عمار علي حسن يحكي عن المسكوت عنه، وعلى مدار خمسة قرون، يروي صراع البشر على الثروة والمكانة، وكذلك حلم العودة الذي يسكن قلب عائلة أُجبرت على ترك قرية متخيلة أسستها وساحت في البلاد، من دون أن ينسى الأحفاد وصية الأجداد التي تطالبهم باستعادة ما كان لهم. ومن هنا تنطلق رحلة مطاردة قاسية في ريف مصر ومدنها وصحاريها، لتصور عراك الفلاحين مع فيضان النيل وجفافه.
تنقسم هذه الملحمة، التي تصل صفحاتها إلى تسعمائة، إلى ثلاثة عشر فصلًا، كل منها يحمل جزءا، أو حكاية ضافية متصلة من مسيرة عائلتين متصارعتين في قرية متخيلة تقع في صعيد مصر، ومنها يمتد تنقل أفراد العائلتين في رحلة مطاردة قاسية من المنيا شمالًا وحتى أرمنت جنوبًا، وبين جبال هضة البحر الأحمر والصحراء الغربية الموازية لهذه المساحة في الوادي االخصيب، ثم إلى القاهرة حين ينتقل بعض الأبناء للدراسة في الأزهر، وآخرون للهروب من العار، أو لبيع المحاصيل وشراء العبيد من سوق الجلابة الذي كان يقع في حي بولاق أبو العلا على شاطئ النيل.
شخصيات متنوعة بين العمد والمشايخ والخفر والمزارعين والصيادين والمراكبية والنجارين والحدادين والعبيد والخدم والخادمات والتجار والباعة الجائلين والبائعات، ومعهم الأٍسواق والوكالات التجارية والقيساريات، ويوجد اللصوص والنصابون والغواني والسكاري والمساطيل والعسس والشعراء الشعبيون من رواة السير، وعمال المناجم من مصر والسودان وإثيوبيا، والجند الذين يفعلون ما يؤمرون، ومنهم أهل الوادي من سكان الريف والحضر وبدو الصحاري، وهناك أهل البلد والأجانب من العثمانيين أو الحبش أو الشركس والروس وغيرهم.
تنتمي الشخصيات بالتناسب إلى الأديان الثلاثة في مصر خلال زمن الملحمة وهي الإسلام والمسيحية واليهودية، ولذا نجد الشيوخ والقساوسة والأحبار، ومعهم المساجد والكنائس والمعابد، إلى جانب الزاوية المنفتحة على الكل.
في ظني أن هذه الملحمة تتشرب روح مصر، عبر ستة عشر جيلًا، تغرف من الواقع، وتنفخ فيه من الخيال، لتقدمه في لغة عذبة، تناسب ما يجب أن تتهيأ له الملاحم الأدبية، ثم تطلق سردا متدفقا، يجعل القارئ، رغم طول الحكاية، يلهث وراء السطور.
وفي الوقت نفسه يهرول خلف أمل يسكن الرؤوس والنفوس، ويلوح دوما أمام العيون إشارة زاهية تدل على الطريق، مهما اشتدت الأحوال، وتراخت الهمم، وتباعدت المسافات، وتتابعت الأزمنة، وضعفت الذاكرة، في بلد يجاهد أهله منذ آلاف السنين ليبقوه على قيد الحياة.

الفيضان وتبعاته
تحكي هذه الرواية/ الملحمة حكاية فلاحي مصر مع فيضان النيل حين يهجم خفيفا، وتنافس وجهاء الريف على الثروة والمكانة، وأثر قرارات السلطة على وضع المزارعين، بدءا من معرفة مصر أول طريق الملكية الخاصة في أيام السلطان برقوق، وحتى أعلن الباشا محمد علي نفسه المالك الوحيد لأرض مصر، وما بينهما من نظام الالتزام الذي فرضه العثمانيون. لكنّ السلاطين والأمراء المتعاقبين، وكذلك قراراتهم وإجراءاتهم وتحكماتهم المتوالية، تبقى في الخلفية السردية باهتة، فالملحمة معنية بتشكيل العائلات الريفية وفق ما تفعله السلطة، وبأثر ذلك على البسطاء من الأجراء وأصحاب الملكيات الصغيرة جدًا وأصحاب الحرف.
في قلب الأحداث هناك خيط ممتد عبر الزمن، إلى جانب الملتزمين والفلاحين، إنهم المريدون من أتباع الطرق الصوفية، أولئك الذين يتتابعون على سكنى زاوية في القرية، تركها المجذوب الأول، وظلت تنادي عبر القرون ساكنيها بوصفها مكانا لتلطيف الأجواء الملتهبة بالأحقاد، وتبقى منحازة إلى الغلابة، ونقطة التقاء السماء بالأرض، وملجأ للسابلة والضائعين، والهاربين من الجوع، وهجوم الفيضان من ذوي الحاجات والمعدمين.
وتطل من بعيد وجوه الفلاحين الأجراء، خلف أكتاف أصحاب الالتزام من كبار الملاك والعمد وأمراء المماليك ثم الضباط وموظفي الحكومة في ما بعد، لترسم لوحة اجتماعية وإنسانية مصرية بامتياز.
المهمشون في أرضهم
إنهم المهمشون الذين ظلوا عبر تاريخ مصر يقدمون بلا انقطاع، دون أن يأخذوا سوى الفتات. يأتي محتل ويذهب آخر، تقوم سلطة غاشمة، وتسلم زمام الأمر لأختها، ويبقى هؤلاء صامدون، ببطونهم الضامرة من الجوع وأجسادهم التي لا تسترها أسمالهم البالية، لتظل الحياة على أرض النيل مستمرة، ونعرف طرفا من الإجابة على السؤال الكبير، الذي يطاردنا دوما عن صبر المصريين وتحملهم الطويل.
يفيض الخيال في هذه الملحمة كثيرا، ليحولها إلى أسطورة، فالعائلتان هنا مخترعتان، وكذلك الشخصيات كلها، الكبير منها والصغير، الرئيسي والثانوي، والحكاية الطويلة كلها لم تُقبتس من تاريخ العائلات في مصر، لكنّ التفاصيل والصور والخلفيات والسياقات والمحطات التاريخية وتقلبات السياسة هي بنت الواقع، فقد لا يكون هناك من يسمّون "الصوابر" و"الجوابر" قد سكنوا صعيد مصر، ودار بينهما صراع، لكنهما، على اختراعهما، يشبهان الكثير من العائلات الريفية سواء في الصعيد أو الدلتا.
إننا أمام عمل روائي عريض يمزج الواقعية السحرية بالواقعية التاريخية، ففي وسط الغرائب والعجائب يجود السرد بشخصيات سمعناها ورأيناها، وقرأنا عنها في كتب التاريخ، وفي الاجتماع، وبقي أمثالها من الزمن لنراها رؤى العين في أيامنا هذه.
وتأتي نهاية الملحمة مفتوحة، رغم عودة "الصوابر" إلى قريتهم، وتمكنهم فيها من جديد، فالصراع بين البشر على الثروة والنفوذ لن ينتهي، و"الجوابر" الذين خرجوا من القرية لشتات جديد، لن تجعل الحكايات المسكونة بالأحقاد صغارهم ينسون أيضًا حلم العودة، المسربل بالأساطير التي تتوالد بلا توقف.