مقالات __ كتاب __ صوت جرش
كل عامٍ وأنتم ومن تحبون بخير وسلام. في هذه الأيام التي تحمل من أحداثٍ حية بقدر ما تحمل من الذكريات، لا ننسى من كانوا يومًا بيننا، وغابوا بأجسادهم، لكن أرواحهم لا تزال حاضرة فينا. رحم الله من رحلوا، وجعل ذكراهم نورًا تضيئ حياتنا.
في هذا اليوم، يمرّ في القلب سؤال قبل أن تنطق به الشفاه، وتدور الذكريات حولنا، تفتح أبواب الحنين، وتُشعل فينا المشاعر. ها أنتَ يا عيدُ الفطر تعود من جديد، تحمل معك تكبيرات المساجد، ورائحة القهوة، وضحكات الأطفال، لكنك أيضًا تصحب معك شيئًا من الحزن، وهمومًا تراكمت، ومآسي باتت تثقل قلوبنا اينما نعيش في هذه الدنيا.
تعود يا عيد، وقلوبنا مثقلة بالهموم، نهنئ بعضنا، وداخلنا سؤال حزين: أيُّ عيدٍ هذا؟ في فلسطين، ما زالت الأرض تنزف، والدمار يحكي حكايات الظلم، والأرواح تُزهق وسط صمتٍ عالميٍّ قاسٍ. في غزّة، أين هو العيد؟ أفي وجوه الأيتام؟ أم في دمعة أمٍّ تبحث عن أبنائها بين الركام؟ أيّ عيدٍ تُؤدّى شعائره على أنقاض المساجد، وتُرفع فيه الدعوات من قلبٍ بلا مأذنة؟ هل سمعت يا عيد أنين الأطفال وهم يسألون عن آبائهم؟ هل مررت على مدينةٍ تُصلّي العيد بلا تكبيرات العيد تملاء الافق كالمعتاد؟
وفي السودان، يزحف العيد نحو مدينةٍ ثكلى، أنهكها القتال، وأرهقها الفقر والجوع والتشرد.
لا ملابس جديدة هناك، ولا زينة في الطرقات، بل أناسٌ يفتّشون عن كسرة خبز، وجرعة دواء، ومكانٍ آمن للنوم. وفي اليمن وسوريا، لم تغب المعاناة بعد، فما زال العيد يمرّ على وجوهٍ حزينة، تتبادل التهاني بعيونٍ دامعة، وقلوبٍ أثقلها الفقد، وطوّقها الحصار.
وحتى في الأماكن التي لا يُسمع فيها صوت الحرب، لا يغيب الحزن. فقرٌ يُنهِك البيوت، وبطالة تخنق الأحلام، وضغوطٌ نفسية تزداد، وتفككٌ أسريّ يزعزع الشعور بالأمان. غربة، ونزوح، ومآسٍ أخرى لا تصل إلى شاشات الأخبار، لكنها تسكن قلوبًا تتألّم في صمت. لقد أصبح العيد، عند كثيرين، ذكرى بعيدة… حين كانت المساجد عامرة بالتكبيرات والمصلين، والبيوت مفتوحة بالحب وتبادل التهاني والاطباق، والقلوب مطمئنة بالرضا والامن والامان.
ورغم كل هذا، يُصلّي المسلمون في جميع أنحاء العالم، ويتبادلون التهاني، ويوزّعون الحلوى، لأنهم يقاومون، ويتجاوزون التحديات. يحبّون الحياة، ويتمسّكون بالأمل، ويتطلّعون بقلوبهم إلى غدٍ قد يكون أجمل. هذه هي روح العيد التي لا يستطيع الوجع أن ينتزعها منّا. العيد ليس فقط فرحةً عابرة، بل هو صبرٌ جميل، وإيمانٌ راسخ، وتمسّك بالنور في قلب الصعوبات. العيد هو أن نؤمن، رغم كل شيء، أن الخير ما زال ممكنًا، وأن الله لا يخذل من صبر.
يا عيد، عدتَ هذا العام حزينًا، لكنك ما زلت فرصة... فرصة لنلتفت لبعضنا البعض، لنتسامح، ونُواسِي، ونمدّ يد العون لمن يحتاج. عدتَ لتُذكّرنا بأن إنسانيتنا، رغم ما تآكل منها تحت ضغط الأزمات، ما زالت حيّة فينا. فلنجعل من قدومك بداية جديدة، نلملم فيها شتات أرواحنا، نسعى للخير، ونعيد بناء ما تأثر سلبًا في داخلنا... قبل أن نفكّر فيما تهدّم حولنا.
كل عام والأمة بخير، رغم كل ما فيها من وجع.
كل عام والقلوب تُنبت في داخلها وردة أمل لا تذبل.
كل عام والأردن قيادًة وشعبًا بألف خير، والحمدلله على نعمة الأمن والأمان