مقالات __ كتاب __ صوت جرش
أما وقد قامت إسرائيل على وطن الآخرين، وقد مر على هذه الكارثة التي حلت بفلسطين ، التي لا مثيل لها في التاريخ، أكثر من مئة عام، حيث كانت نقطة البدء لهذه الكارثة "وعد بلفور 2 من تشرين الثاني 1917"، ليُوضع بعد ثلاثين سنة موضع التطبيق، أي في عام 1947، وذلك عندما اتخذت الأمم المتحدة قراراً – منحرفاً عن الحقائق، ومتجاهلاً للوقائع، وغير مقدر للنتائج – بتقسيم فلسطين، وتُخص اليهود بمساحة أربعين بالمائة من مساحتها، وليتمكنوا من بعد، وفقاً لمبدأ التقتيل والإجرام، الذي قام به اليهود عام 1948، من الاستيلاء على أكثر من سبعين بالمائة من مجموع أراضي فلسطين.
ومن بعد، ظهرت إسرائيل كدولة إلى الوجود في 15 من أيار 1948، "عنصرية المذهب، متعصبة الديانة، لا حد لما تحلم به، وتتطلع إلى تحقيقه، عندما نلتفت وندقق بما يلي، متسائلين: أي أرض أو كيان تدعي إسرائيل أنه لها: أهو الذي أعطته الأمم المتحدة بموجب قرار التقسيم دون موافقة أحد؟ أم هو الذي وسعته بقوة السلاح عام 1948؟ أم هو الذي احتلته بقوة السلاح منذ عام 1967؟"
هذا، ولما اتخذت الجمعية العامة في الأمم المتحدة القرار رقم 194 "10 من كانون أول / ديسمبر 1948"، الذي عُد عادلاً للفلسطيني الذي شُرِّد وطُرد وهُجّر من بيته ووطنه، ولا يريد بديلاً عن عودته إليه، ينص صراحة ووضوحاً، ويؤكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى فلسطين، إلى بيوتهم وقراهم الأصلية التي هُجّروا وطُردوا منها، وتعويض من لا يرغب في العودة إلى فلسطين عن ممتلكاته.
هذا وقد أُعيد تأكيد هذا القرار في كل دورة انعقاد للجمعية العامة. ونضيف أن وسيط الأمم المتحدة في فلسطين أشار في تقريره الصادر بتاريخ 16 من سبتمبر 1948 إلى أن العمليات العسكرية التي كانت في فلسطين أرغمت العدد الكبير من السكان على ترك ديارهم، وأكد أن حل هذه المشكلة لا يكون إلا بتأكيد حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم. كما تَأَكَّد هذا القرار 194 بالقرار الصادر في 9 من ديسمبر 1949.
هذا، وعلى الرغم من عدالة القرار رقم 194 ووضوحه، فإنه لم يُعمل على تنفيذه، وأخذ الإسرائيليون يرددون بتحدٍ سافر لكافة قرارات الأمم المتحدة: "إن قضية اللاجئين ليست قضيتهم، بل قضية العرب، وإن الأردن هو الوطن البديل، ويجب أن يحل المشكلة الفلسطينية باستيعاب الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، وهم الذين اغتصبت حقوقهم في أرضهم ووطنهم، وشُرِّدوا في كل أنحاء الدنيا، وهاجروا من وطنهم، أو لأنهم طُردوا منه، أو هُدّدوا بالإبادة، ولهذا عاشوا مشردين في مخيمات اللاجئين في الأردن وسوريا ولبنان وقطاع غزة."
وهنا، لا بد من وقفة لنذكر أن ما يردده المسؤولون الإسرائيليون يعود بنا إلى عام 1948. وحين نتحدث عن حقوق الفلسطينيين، كما يقول المغفور له الملك الحسين، طيب الله ثراه، في كثير من المناسبات والندوات والمؤتمرات، نتحدث عن أرض معينة، وعن شعب محدد يسكنها مع أجداده قروناً طويلة، هذه الأرض تقع غرب نهر الأردن، هي فلسطين، والموضوع ليس موضوع ألفاظ ومسميات. فإسرائيل اقتلعت شعباً محدداً من أرضه عام 1948، ثم قفزة ثانية فوضعت مليون عربي فلسطيني ونصف المليون تحت احتلالها. إن قضية هذا الشعب الذي تشرد كبيرة، ويعيش جزء منه تحت الاحتلال، هي قضية الشعب الفلسطيني. التلاعب بالتسميات لا يحل المشكلة، وإنما الذي يحل المشكلة أن تجلو إسرائيل عن الأرض التي احتلتها، وتحترم حق الفلسطينيين المشردين في العودة لوطنهم، وتتراجع عن حرمان هذا الشعب المتكامل من ممارسة تقريره، بما في ذلك حقه في إقامة دولة مستقلة. ونحن، الأردن، وفي طليعة الدول العربية، نؤيد هذا الشعب، ونريد له أن يختار طريقه الحر بنفسه، ونحترم اختياره.
هذا، وبناء على ما تقدم، ما زال لدينا أسئلة في القانون تتطلب الإجابة بالقانون: ما السند في النظام القانوني الأردني الذي يُحصّن الدولة الأردنية ونظام الحكم فيها؟ وما السند في نظامنا القانوني الذي يحرّم اختراقه والاعتداء عليه؟
وبناء عليه، سنبدأ كما يقول الفرنسيون: من البداية.
والبداية، ولأننا أمام لوحة مضطربة الألوان للعلاقات الدولية، سارع جلالة الملك عبدالله الثاني بالتصدي والجهر بالرأي: "كلا للتهجير، كلا للتوطين، كلا للوطن البديل"، وكان جلالته يتأسى بقوله تعالى: "كلا إن معي ربي سيهدين" (الشعراء: 22)، و**"وما مكني فيه ربي خير، فأعينوني بقوة" (الكهف: 95)**. فهذا خير القول، يُحصّن الدولة الأردنية ونظام الحكم فيها.
هذا، ولأنه كذلك، فإنه يضعنا أمام سؤال في القانون يتطلب – كما سبق وذكرنا – أن نُجيب بالقانون، لا بالسياسة أو الاقتصاد... إلخ. ما السند؟ الذي يُحصّن ويحرّم؟
وهنا، سنُسارع إلى القول – وبالقانون – لنذكر أن ميلاد الدولة الأردنية يتفق مع صدور أول دستور لها عام 1928 "16 من نيسان"، لتتدرج الحركة الدستورية الأردنية بإصدار ونشر دستور 1947 "الأول من شباط"، بعد الحصول على الاستقلال "25 من أيار 1946"، وإعلان الدولة الأردنية دولة مستقلة ذات سيادة، ونظام الحكم فيها نيابي ملكي وراثي، وتتويج المغفور له الملك عبدالله بن الحسين ملكاً دستورياً على المملكة، لينتهي أمر التدرج بإصدار ونشر دستور 1952 "8 من كانون الثاني"، كتجديد للعقد الاجتماعي الذي ترجع إليه نشأة الدولة الأردنية، أي ظهور السلطة في الأمة، وأصبح النبع الذي تخرج منه جميع السلطات في الدولة. ونضيف أنه حقق الهدف بإقامة النظام العقلاني الواضح والمستقر، ليتجنب التخريب والدسائس والاضطرابات والجرائم السياسية.
كما نضيف أن دستور 1952 لم يتخلف عن توفير الحكمة المشتركة التي تتضمنها دساتير الدول المتقدمة، حيث تستند إلى ثلاثة مبادئ أساسية: "مبدأ سيادة الأمة"، و"مبدأ إخضاع القرارات السياسية لقواعد ثابتة وفقاً لقانون الأغلبية"، و"مبدأ أو عقيدة حقوق الإنسان التي تتمتع بقيمة دولية كبيرة".
هذا، وكما للدستور "هدف"، فله أيضاً "دور"، عبر عنه المحامي ورجل الدولة الأمريكي "دانيال وبستر" قائلاً: "إننا قد نمضي في محيط لا نرى فيه أرضاً، بل وربما لا نبصر فيه الشمس أو النجوم، غير أن لدينا خريطة وبوصلة ندرسها ونستشيرها ونطيعها، وهذه الخريطة هي الدستور."
وهنا، سنُسارع العودة بتدرج للنظام القانوني الأردني، حيث الدستور هو القانون الأعلى للبلاد LA LOI SUPRÊME DU PAYS، لنُطل على الأهم من مواد دستور 1952، ألا وهي المادة الأولى ذات القيمة القانونية العالية، والبالغة الأهمية في مجالي المشروعية السياسية والشرعية الدستورية، حيث تجمع معاني أربع هامة ومهمة:
أما عن "المعاني الأربعة"، فهي التي تُؤصّل ما يفيد وينفع على المستويين الداخلي والخارجي.
"وأنها هامة"، لما تتضمنه وتوفره للدولة الأردنية ونظام الحكم فيها.
"وأنها مهمة"، لما توفره كأداة تعاون وأداة نبذ ورفض.
أما كأداة تعاون: أي أنها توفر اعتبار القضية الفلسطينية ومأساة الشعب الفلسطيني فوق كل القضايا في المجالات القومية.
وأما كأداة رفض ونبذ: أي أنها توفر وسائل دفع الأذى والأخطار بمختلف أنواعها عن المملكة.
وعليه،
فإن المعنى الأول:
حيث النص على أن المملكة الأردنية الهاشمية دولة.... مستقلة ذات سيادة. فهذا يضعنا أمام المعادلة التوأم: "الاستقلال – السيادة"، فما الذي يعبر عنه هذا التوأم؟ وبالتالي، فما الذي يعنيه الاستقلال؟ وما الذي تعنيه السيادة؟
أما من ناحية الاستقلال، فهي تعني تمتع الدولة الأردنية بمجموعة من الحقوق والسلطات والامتيازات الدولية، منها على سبيل المثال: "سلطة التقرير في مسائلها الداخلية"، "قبول وترحيل الأجانب"، "الامتيازات الدبلوماسية"... إلخ.
وأما من ناحية السيادة، فهي مبدأ يعبر عن مجموعة الحقوق والسلطات التي تتمتع بها الدولة بحقها في مطالبة الدول الأخرى بها في العلاقات المتبادلة معها، وتتعلق بما يلي:
• الحقوق والسلطات المتعلقة بالاستقلال الخارجي، ويُقصد بها عدم خضوع السلطة القائمة في الدولة عند تعاملها مع السلطات المماثلة القائمة في الدول الأخرى لأي سلطة أعلى، وقيام العلاقات بين هذه السلطات على قدم المساواة.
• الحقوق والسلطات المتعلقة باستقلالها وسيادتها الداخلية، ويُقصد بها استئثار السلطة القائمة في الدولة بكافة الاختصاصات على الإقليم، وفي مواجهة السكان، دون ما خضوع لسلطة أعلى.
• الحقوق والسلطات المتعلقة بسيادتها الشخصية على رعاياها، أو "السيادة الإقليمية"، ومعناها ممارسة الدولة داخل الإقليم (البري والبحري والجوي) حقوقها في السيادة على الأشخاص والممتلكات الموجودة على هذا الإقليم.
أما المعنى الثاني:
"ملكها لا يتجزأ ولا يُنزل عن شيء منه"، وهو بهذا يعبر عن السيادة الإقليمية. ومثل هذا النص، المادة السابعة من الدستور البلجيكي، المصدر غير المباشر لدستور 1952:
LES LIMITES DE L’ÉTAT DES PROVINCES ET DES COMMUNES NE PEUVENT ÊTRE CHANGÉES...
ومعناها – أي تلك العبارة من نص المادة الأولى من دستور 1952 – أن ممارسة الدولة الأردنية داخل الإقليم لحقوقها في السيادة على الأشخاص والممتلكات الموجودة على هذا الإقليم، لا تقبل الانقسام أصلاً، ولا يقيدها في ذلك غير القيود التي تقررها القواعد الدولية، والمعاهدات، والمبادئ القانونية العامة التي تأخذ بها الدول المتحضرة.
المعنى الثالث:
أنها "دولة عربية... والشعب الأردني جزء من الأمة العربية"، ووفقاً لهذا المبدأ الدستوري، لدى الأردن الطموح القومي وقوة الإرادة، تم التعبير عنه في كل المناسبات التي تتعلق بفلسطين. فهذا بعض ما قاله على المستوى الدولي المغفور له الملك الحسين بن طلال:
"... إن علاقتنا بفلسطين كبلد، والفلسطينيين كشعب، هي علاقة عميقة وطويلة الأمد، وليس من السهل التخلي عن هذه السلسلة الطويلة من الروابط التاريخية والحضارية والاقتصادية والسياسية لضفتي الأردن، أو تخطيها..."
ويقول: "التحم الشعب الأردني منذ البداية بآمال وآلام الشعب الفلسطيني، وتحمل الأردن العبء الأكبر من المأساة الإنسانية الضخمة التي حلت بالشعب الفلسطيني، فعاش آثار المأساة إنسانياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً."
وحيث فلسطين الوطن العربي تجمعه الروابط القومية بسائر الأقطار العربية التي تؤلف الوطن العربي الكبير... "
هذا، ولم يتخلَّ الأردن عن هذا النهج، فقد بَنى عليه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ذلك القول الحق: "كلا للتهجير، كلا للتوطين، كلا للوطن البديل".
وأخيراً، المعنى الرابع:
"نظام الحكم في المملكة نيابي ملكي وراثي". فهذه الكلمات الثلاث هي أساس نظام الحكم في المملكة الأردنية الهاشمية، وليس كل ما في الدستور إلا تفصيلاً لها.
وأختم بقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ القصص