في صباح يوم الأحد، 3 ديسمبر 2024، كانت أسماء شحادة، ربة منزل من سكان مخيم جباليا شمال قطاع غزة، تستعد للنزوح مع أسرتها إلى مدرسة "العائلة المقدسة" غرب غزة، بعد أن أصدرت قوات الاحتلال تعليمات للنازحين بالتحرك من شمال القطاع، فكانوا جميعًا يأملون في الهروب من القصف والبحث عن ملاذٍ آمن.
لكن فجأة، تحوّلت الآمال إلى كابوس مرعب بعد قصف إسرائيلي مفاجئ. تقول أسماء، وهي تسترجع تلك اللحظات: "فجأة، سقطت على الأرض ولم أسمع أو أرى شيئًا لمدة ثوانٍ". كانت الشظايا قد اخترقت جسدها، والألم يعصف بها، وعند استعادتها للوعي، اكتشفت أن قدمها اليسرى قد أصيبت بشظايا خطيرة.
في تلك الأثناء نُقلوا بسرعة إلى مستشفى "شهداء الأقصى" في دير البلح وسط القطاع، ولكن بسبب نقص الإمكانيات الطبيّة، لم يكن لديهم وقت ولا موارد كافية لمواجهة هذه الإصابات.
تقول أسماء بصوتٍ متحشرج: "بسبب الظروف الصعبة، اضطر الأطباء إلى بتر قدمي اليسرى دون تخدير كافٍ." وتضيف، "كان بتر القدم دون بنج كان كانتزاع الروح من الجسد، شعرت وكأن روحي قد غادرت مع كل قطرة دم تسقط."
أسماء واحدة من أكثر من 10,000 حالة - عدد تقديري للإعاقات- الناتجة عن الحرب الإسرائيلية التي اندّلعت في أكتوبر 2023 على قطاع غزة واستمرّت خمسة عشر شهرًا، مخلّفة وراءها أثرًا مدمرًا على المدنيين الناجين بتزايد أعداد الإصابات والإعاقات.
وبينما يعاني المصابون من الألم الجسدي، تتفاقم معاناتهم بسبب نقص الإمكانيات الطبية وتدمير المنشآت الصحية؛ مما يضطر الأطباء في بعض الأحيان إلى اتخاذ قرارات صعبة، كما حدث مع أسماء شحادة التي خضعت لبتر قدمها دون تخدير كافٍ.
الطبيب أحمد العبسي رئيس قسم الأطراف الصناعية بمستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، يقول إنّ عملية البتر في الظروف الطبيعية تتبع معايير أمان متكاملة تشمل فريقًا متخصصًا من أطباء العظام والتخدير والأعصاب. لكن في حالات الحرب، تتعرض هذه العمليات لتحدّيات كبيرة بسبب الظروف الاستثنائية، حيث يصعب توفير المعدات والأطباء المتخصصين بشكل كافٍ.

وفي غزة، حيث تتزايد حالات البتر نتيجة الحرب، يُضطر الأطباء في كثير من الأحيان للتعامل مع إصابات معقدة تتضمن الحروق والالتهابات، مما يزيد من تعقيد العملية ويؤدي إلى ضرورة إجراء عمليات بتر إضافية في بعض الحالات.
وبينما لا يتمكن العديد من المصابين من الوصول إلى المستشفيات في الوقت المناسب جرّاء الحرب، يؤدي ذلك إلى تأخير العلاج وتعرض الأطراف المصابة للعدوى. ووفقًا للعبسي فإنّ هذا التأخير، إلى جانب نقص الكوادر الطبية وارتفاع معدلات الفقر وسوء التغذية، يعوق التئام الجروح ويزيد من احتمالية تعرضها للبتر مرة أخرى.
من بين 2,3 مليون نسمة هم عدد سكان قطاع غزة، هناك أكثر من 400,00 شخص يعانون إعاقاتٍ دائمة سواء كانت نتيجة لهذه الحرب أو لحروب سبقتها أو لأسبابٍ أخرى بنسبة 17.66% من مجموع السكان. وتشير البيانات إلى أن الحرب الأخيرة تسببت في زيادة 0,46% من الإعاقات نتيجة الإصابات الجديدة، إذ بلغت نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة قبل الحرب 17,2%.
في يومٍ صيفي حار من أغسطس 2024، كان ضياء العديني، الفتى البالغ من العمر 15 عامًا، يسترق برهة من الزمن وسط ضجيج الحرب ويشحن أجهزة عائلته في أحد المقاهي التي توفر الكهرباء في منطقة دير البلح وسط قطاع غزة؛ لكن فجأة، تحوَّل كل شيء إلى كابوسٍ مروِّع، حينما استهدفت طائرة حربية إسرائيلية المقهى، ليُسلب منه مستقبله في لحظة واحدة.
تقول آية، شقيقة ضياء الكبرى: "فجأة، سقط ضياء على الأرض، وكانت الدماء تسيل من ذراعيه بغزارة"، نتيجة لذلك القصف، فقد ضياء ذراعيه، مما غيّر مجرى حياته بشكل جذري.
بعد العملية، تذكر ضياء حياته قبل الإصابة، عندما كان شغوفًا بالتصوير الفوتوغرافي، يقضي أوقات فراغه في السباحة والمشي مع كلابه، ويمارس هوايته في التصوير في أرجاء مدينته على دراجته. لكن الآن، وبعد الإصابة، أصبح يعتمد على شقيقته آية التي تسنده في كل خطوة، فيما هو يحتاج إلى تركيب أطراف صناعية بشكلٍ ماسّ.
وبجانب الألم الجسدي الذي يعانيه ضياء وغيره ممن أصيبوا بإعاقات طارئة في الحرب، تُشير هيومن رايتس ووتش إلى أن التحديات النفسية والاجتماعية تظلّ قائمة، خاصّة أنّهم يواجهون صعوبات في أكبر في تلبية احتياجاتهم الأساسية والحصول على المساعدات الإنسانية الضرورية.
بدورها، تفيد المختصة الاجتماعية والنفسية عروب جملة، أنَّ الحالات المصابة بإعاقات طارئة ناتجة عن الحرب في قطاع غزة، تعاني آثار نفسية واجتماعية عميقة على المصابين. إذ يعاني هؤلاء الأشخاص من صدمات نفسية حادة، مثل الاكتئاب والقلق، بسبب الفقدان المفاجئ للقدرة على الحركة أو البتر.
وتشير الجملة إلى أنّ هذه الإعاقات ليست جسدية فقط؛ بل يصاحبها تراجع في الثقة بالنفس وصعوبة في التكيف مع الحياة الجديدة؛ مما يؤدي إلى عزلة اجتماعية متزايدة والشعور بالرفض من المجتمع ويزيد تحدّياتهم اليومية ويؤثر على جودة حياتهم.
على الصعيد الاجتماعي، يواجه المصابون صعوبة في الاندماج في المجتمع، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة في غزة. فالعزلة الاجتماعية تصبح أكثر وضوحًا، حيث يتعذر عليهم الوصول إلى فرص العمل أو المشاركة في الأنشطة اليومية بسبب الإعاقة.
كما أن أعباء الرعاية الصحية المستمرة تضع ضغوطًا مالية كبيرة على الأسر، مما يعمق معاناتهم. وتقول الجملة: "هذه التحديات تزداد صعوبة في ظلّ نقص الدعم الاجتماعي والموارد الطبية المتاحة"؛ مما يجعل التأقلم مع الحياة اليومية أمرًا بالغ التعقيد ويؤثر على الاستقرار النفسي والاجتماعي للمصابين وأسرهم.
عشرات الآلاف يتشاركون هذا الواقع وذات المأساة والمصير، إذ تُشير التقارير المحليّة الأولية إلى أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة (أكتوبر 2023- يناير 2025) خلّفت نحو 30,000 حالة إصابات نتيجة بتر الأطراف، تلّتها إصابات في البطن والصدر تقدَّر بحوالي15,000 حالة، بالإضافة إلى نحو 20,000 حالة من الإصابات الأخرى.
واقع صادم في ظلّ ضخامة الأرقام التي تشير إلى أنّ نحو 30,000 شخص من قطاع غزة فقدوا أطرافهم؛ ما جعلهم في حاجة ماسة إلى الأطراف الصناعية لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية. ولكن مع تردي الأوضاع الاقتصادية في القطاع نتيجة استمرار الحصار، يواجه هؤلاء المرضى صعوبة كبيرة في تأمين تكاليف العلاج الباهظة.
كما تصبح الفرصة الوحيدة لعلاج هؤلاء المصابين في الخارج صعبة، نظرًا للقيود المفروضة على السفر بسبب إغلاق المعابر من قبل الاحتلال. وبينما يعيش هؤلاء الأشخاص المصابين بإعاقاتٍ طارئة في معاناةٍ متزايدة، لا يمتلكون المال الكافي لتغطية تكاليف العلاج؛ مما يجعل مأساتهم تتضاعف، فيجدون أنفسهم عالقين بين الحاجة المُلحة للعلاج وواقع اقتصادي مرير يقف حاجزًا أمامهم.
يحمل أبو محمد فضل طفله محمد (9 أعوام) بين يديه، قاصدًا مركزًا طبيًّا بمنطقة الشجاعية شرق مدينة غزة، يحصل فيه الصغير على جلسات علاج طبيعي يحتاجها يومًا بعد يوم؛ إثر فقده قدمه جرّاء قصفٍ إسرائيلي عشوائي في يوليو 2024.
اليوم، يعيش محمد بقدمٍ واحدة لكنه ما يزال بحاجة إلى كرسي متحرك لمساعدته على التنقل بسهولة بتكلفة لا تقل عن (850 دولار) للكرسي المتحرك اليدوي أما الكهربائي فتصل إلى (3000 دولار)؛ لكن أسرة هذا الصغير لا تملك جلبه نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها.
يقول والده أبو محمد الذي يوظب على علاج طفله، على أمل أن تساعده جلسات العلاج الطبي في تحسين قدرته على الحركة، "أعمل موظفًا في دائرة حكومية وأتلقى من راتبي دفعة بقيمة 800 شيكلا كل بضعة أشهر، بالكادّ تكفي لسدّ ديون إعالة أسرتي المتراكمة عبر الأشهر فكيف يمكنني توفير علاج طفلي!".
تقف مختصة العلاج الطبيعي آلاء الرملاوي في مركز "ًصبحة" الطبي، تتابع حالة محمد الذي يتحضر لتركيب طرف صناعي في مستشفى حمد للأطراف الصناعية؛ لكنه يحتاج إلى علاج طبيعي مكثف يتضمن تمارين ومتابعة عبر أجهزة طبية خاصة لتقوية العضلات وتحفيز الجسم قبل تركيب الطرف بما يضمن تأهيل طبي شامل ومستمر.
فيما تُشير بيانات إحصائية وردت في ورقةٍ بحثية تحليلية معنونة بـ "التكلفة الاجتماعية والاقتصادية للإعاقة الناتجة عن الحرب في قطاع غزة"، إلى أنّ تكلفة علاج الأطفال ذوي الإعاقة تصل إلى حوالي27,540 دولار سنويًا لكل طفل، كما يحتاج المرضى الذين تعرضوا لبتر الأطراف إلى 11,600 دولار لكل حالة تشمل تكلفة الجراحة والعلاج التأهيلي. أما بالنسبة للأجهزة المساندة، تتراوح تكاليف الأدوات السمعية إلى 3,000 دولار، بينما الأدوات البصرية مثل العصا البيضاء تبلغ تكلفتها 200 دولار فقط.
لا تقتصر أزمة الإعاقات الطارئة نتيجة الحرب وعائلاتهم على التكاليف الصحية فقط، بل تشمل الآثار الاقتصادية التي تراكمت نتيجة للإصابات والضعف في القدرة على العمل، إذ يصبح هؤلاء الأفراد وأسرهم في مواجهة صعوبات إضافية في الحصول على العلاج والرعاية المناسبة؛ مما يضع عبئًا اقتصاديًا كبيرًا على المجتمع الفلسطيني داخل قطاع غزة الذي يعاني أصلاً من حصار مستمر وأوضاع اقتصادية معقدة.
هاني أبو عصر (37 عامًا) فقد كفة يده اليمنى نتيجة تبعثر شظايا قصف إسرائيلي استهدف مركبة كان يسير بمحاذاتها في قبل أشهر في مدينة غزة.
كان هاني يعمل في مجال التكيف والتبريد منذ سنوات، وهي مهنة تعتمد بشكل كبير على المهارات اليدوية، وعلى الرغم من أنّه مصدر رزقه الوحيد؛ إلا أنّ الرجل لم يعد قادرًا للعودة على العمل بعد إصابته، إذ أصبح من المستحيل استخدام الأدوات الثقيلة أو تنفيذ الأعمال الدقيقة التي تتطلب قوة بدنية وسلامة جسدية.
يقول هاني بحسرة: "لا أستطيع العودة إلى عملي الذي أحببت طوال حياتي، ولا أرى أمامي سبيلًا لتوفير ما يحتاجه أطفالي الأربعة، فأعتمد على المساعدات الإنسانية في إطعامهم".
تسببت الحرب الأخيرة في قطاع غزة في إصابة نحو 97,937 شخصًا، أي ما يعادل 4.35% من سكان القطاع. ويواجه جزء كبير من هؤلاء المصابين صعوبة في الوصول إلى العلاج خصوصا في ظل اغلاق المعابر واعاقة تلقي المصابين للعلاج اللازم خارج قطاع غزة.

في هذا السياق، أكد مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، أن "زيادة عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع ترفع الحاجة إلى دعم مادي مستمر لتمكينهم من العيش بكرامة".
وأضاف الشوا أن 59% من هؤلاء الأفراد لا يشاركون في النشاط الاقتصادي، وأن 40% منهم عاطلون عن العمل، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي في القطاع". وأشار إلى أن تكلفة الإعاقة لا تقتصر على العلاج والرعاية الصحية فقط، بل تمتد لتشمل الخسائر في الإنتاجية نتيجة غياب هؤلاء الأفراد عن سوق العمل، مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد المحلي.
وأوضح الشوا ضرورة تبني سياسات اقتصادية تركز على دعم الرعاية الصحية وتحسين القدرة على الوصول إلى العلاج، بالإضافة إلى تعزيز برامج التأهيل للأشخاص ذوي الإعاقة، وتحسين التعليم والتوظيف لهم لفتح فرص عمل جديدة.
وأكد على أهمية توفير برامج تأهيل نفسي واجتماعي ووظيفي، وتنفيذ سياسات تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة خلال عملية إعادة الإعمار، ليكونوا شركاء فعليين في بناء غزة مجددًا.
تُعد تكاليف الإعاقة عبئًا ثقيلًا على العديد من الأطراف المعنية في قطاع غزة، وبخاصة الحكومة التي قالت إنها صعوبة في تقديم الدعم الكافي لذوي الإعاقة بسبب نقص الموارد المالية والتحديات التي تواجهها في تخصيص الميزانيات الخاصة.
وأوضحت وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، في بيانٍ لها، أن الأجهزة الحكومية المختصة بما فيها وزارة الصحة والتنمية الاجتماعية تبذلان مساعي جادة من أجل الحصول على دعم كاف يمكنهم من توفير الاحتياجات الأساسية لذوي الاحتياجات الخاصة. بما في ذلك القيام بالتأهيل اللازم، وتشغيل المراكز العلاجية المختصة بعد خروجها عن الخدمة، وتوفير الأدوات المساعدة.
وأكدت الوزارة أن إغلاق المعابر يعيق وصول العديد من الاحتياجات الأساسية لفئة الأشخاص من ذوي الإعاقة، بما في ذلك الحفاظات والعكازات والكراسي المتحركة الكهربائية (السكوتر)، وغيرها من أدوات.
ورغم أن منظمات الأمم المتحدة تعمل على تقديم بعض المساعدات للأشخاص ذوي الإعاقة داخل قطاع غزة؛ إلا أن هذه المساعدات لا تشمل جميع الفئات، خاصة مع تزايد وتفاقم الحالات جرّاء الحرب التي زادت من حجم الاحتياجات الطبية بشكلٍ فائق.
وعلى الرغم من الجهود الحكومية والدولية، تبقى التحديات الاقتصادية في غزة قائمة، حيث يعاني القطاع من نقص حاد في الموارد المالية وصعوبة في تخصيص الميزانيات بسبب الأزمات الطارئة، مما يؤثر على دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.