فجأة ودون سابق إنذار تحوّلت الطفلة لبنى السخلة (13 عاماً) إلى أمٍ بديلة، بعد أن خطفت الحرب أرواح والديها وشقيقها في قصف استهدف منزلهم بشكل مباشر. وأصبحت تتولى مهمة رعاية أشقائها.
استفاقت لبنى في منتصف ليل السابع عشر من ديسمبر 2024، على وقع قصف إسرائيلي عنيف دمّر منزل عائلتها في شارع الجلاء وسط قطاع غزة. حاولت الصغيرة السيطرة على مشاعر الرعب التي تسكن قلبها بشدّة؛ لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة مما توقعت؛ فقد فقدت والديها وشقيقها جرّاء القصف، بينما كانت هي وشقيقيها الآخرين في حالة صدمة كبيرة، ومصابين بجروح بالغة.
منذ أن تلّقت خبر فقدان والديها، لم يتوقف ألم لبنى النفسي، فالفقد كبير وعظيم. عن تلك اللحظات العصيبة التي تركت فراغًا عميقًا في قلبها، تقول الصغيرة لـ "آخر قصة": "نحن تعافينا من جروح الإصابة، لكن جراحنا النفسية لم تلتئم ولم نتعاف من ألم الفقد".
في داخل هذه الطفلة تتجسد المعاناة الأكبر، وهي نظرات الفضول والريبة التي يطلقها الآخرون، وأحيانًا الكلمات الجارحة التي تذكّرهم أنّهم أصبحوا وحيدين. تضيف "لبنى" التي أصبحت بفعل الحرب أمّ اخوانها: "أحاول مواساة اخوتي دائمًا لكننا لم نتخطى بعد فكرة الفقد، لا أحد يملأ مكان والديّ، خاصّة في شهر رمضان، حين كنا نتجمع على مائدة إفطار واحدة، وتعدّ لنا أمي مأكولاتنا المفضلة، أما هذا العام نشتاق إليهم ونفتقدهم بشدّة."
وعلى الرغم من أنّ لبنى وشقيقيها يقطنون رفقة أسرة عمهم، لكنّ الحقيقة أنّهم أصبحوا أيتامًا فلا شيء يعوّض فقدان الأم والأب، كما تقول الطفلة.
قصة لبنى هي واحدة من آلاف القصص لأطفال فقدوا أحباءهم بسبب الحرب، وهم شهود أحياء على معاناة إنسانية لا توصف، إذ يحاول هؤلاء الصغار مواجهة واقع مرير، عندما تتحول البراءة إلى حزن، والأمان إلى خوف، والطفولة إلى كابوس لا ينتهي، بفعل استمرار الحرب.
وتشير تقدّيرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 19,000 طفل فلسطيني يعيشون بعيدًا عن والديهم، إما مع الأقارب أو مع مقدمي الرعاية، فيما تشي الأرقام المحلية عمّا بين 15,000 إلى 19,000 طفل فقدوا والديهم، ويواجهون مخاطر كبيرة مثل الاستغلال أو الاعتداء.
الطفل كريم طارق، الذي لا يتجاوز عمره العامين، فقد والدته جرّاء قصف إسرائيلي استهدف المنزل الذي نزحت إليه عائلته في حي الرمال وسط مدينة غزة، أما والده فقد أصيب إصابة بالغة أفقدته القدرة على الحركة.
يقول والد كريم الذي ما زال يُعاني آلامًا شديدة إثر إصابته: "في الساعة الخامسة من مساء يوم 31 مايو 2024، كنا نتجهز لإعداد كوب شاي على النار، وفجأة تحوّل كل شيء إلى رماد. قبل أن أغيب عن الوعي، سمعت زوجتي تنادي عليَّ، وبعد عدة ساعات من الغيبوبة، استفقت في المستشفى وعرفت أنّها قد استشهدت، فيما انتقل ابني كريم إلى بيت خاله للاعتناء به".
لكنّ الصغير الذي فقد والدته فجأة وغاب عنه والده المصاب، تغيّرت تصرفاته جدًا، فقد أصبح عنيفًا، يصرخ باستمرار، ولا يستطيع التأقلم مع الوضع الجديد. يضيف والده: "صدمت بأنّ زوجة خاله التي يفترض أن تهتم به كانت تعنفه، لكنني لم أتمكن من التدخل لحمايته".
في تفسيرها لهذه الحالة، قالت بشرى أبو ليلة، أخصائية برنامج غزة للصحة النفسية، إن الأطفال الذين فقدوا والديهم في الحرب يعانون مشاعر الوحدة والإذلال النفسي، ويظهر لديهم اضطراب ما بعد الصدمة الذي يعد من أصعب الاضطرابات النفسية التي تحتاج إلى وقتٍ طويل للعلاج.
وأوضح أبو ليلة، أن أبرز الصعوبات التي يواجهها الأطفال تتعلق بالتكيف مع حياتهم الجديدة بعد فقدان الأب أو الأم، بغض النظر عن درجة قرابة الأسرة المحتضنة لهم. وأشارت إلى أن الحزن العميق والاكتئاب يصبحان رفيقين دائمين للطفل الذي فقد والديه أو أحدهما، بالإضافة إلى تغيّر في سلوكياتهم بشكلٍ واضح، مما يستدعي تدخلات نفسية عاجلة.
ماريا خليل (10 سنوات) هي الأخرى كانت ضحية فقدان والدها، فقد استشهد في يناير 2024 في منطقة جباليا شمالي القطاع بعدما نزحت العائلة من منزلهم إلى منزل جدهم هناك، وذلك جرّاء الحرب التي اندلعت منذ السابع أكتوبر 2023 ولم تزل مستمرة إلى الآن.
تقول والدة ماريا: "تغيّرت طِباع طفلتي كثيرًا بعد استشهاد والدها، تتصرف بعصبية وعناد طوال الوقت، لا تتقبل التوجيهات أو الانتقادات مطلقًا وتتحدث بصوتٍ عال، أحاول احتوائها قدر الإمكان، لكن دون جدوى".
تعيش ماريا وإخوانها الاثنين في كنف والدتها في بيت جدّها، لكنها الوحيدة بين أشقائها التي ظهرت عليها علامات التأثر بشكلٍ فارق، كونها الأكبر من بينهم والتي ترتبت عليها مسؤوليات إضافية بعد غياب والدها.
وعلى الرغم من أنّ والدة ماريا لا تسمح لأحدٍ من الأقارب في التدخل بتربية أبنائها؛ إلا أنَّ عمّها يحاول كثيرًا فرض نفسه ومعاملتها بقسوةٍ؛ مما أثر على نفسية ماريا سلبًا بشكلٍ واضح.
في وضعٍ مشابه تُعاني آيسل جودة (10 سنوات)، التي فقدت والدها جرّاء قصف إسرائيلي استهدف منزل عمتها في حي الرمال، وظلّت جثة والدها في المنزل مدة أربعة أيام متروكة أمام العائلة بسبب الحصار المفروض على المنطقة آنذاك. تقول والدتها: "آيسل تغيرت كثيرًا، وأصبحت عنيفة وعدوانية، وأحاول السيطرة على سلوكها لكن لا أستطيع."
ويترك فقدان الأم أو الأب آثارًا نفسية عميقة في نفوس الأطفال، إذ تشير المختصة النفسية أبو ليلة إلى أنّ الأطفال الذين يفقدون آباءهم أو أمهاتهم، خاصّة في سنٍ مبكرة، غالبًا ما يعانون تغيرات سلوكية حادّة كرد فعل على الصدمة. كما توضح أن الكثير من هؤلاء الأطفال شهدوا مقتل والديهم أمام أعينهم، ما يزيد من تعقيد حالاتهم النفسية.
وتابعت أبو ليلة: "الأطفال الذين يفقدون والديهم، خاصة في ظروف الحرب، غالبًا ما يشعرون بثقل المسؤوليات الإضافية المفروضة عليهم، مما يزيد من ضغوطهم النفسية ويُؤثر على سلوكياتهم وصحتهم النفسية بالسلب".
وأشارت إلى أن تدخلات الأقارب، حتى لو كانت بنية حسنة، قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة. "معاملة الطفل بقسوة أو محاولة فرض سلطة عليه، قد يعمق من شعوره بالضياع ويفاقم من اضطراباته النفسية".
يحتاج الأطفال في مثل هذه الحالات إلى دعم نفسي متخصص، ليس فقط لمساعدتهم على تجاوز صدمة الفقد، بل أيضًا لتعليمهم كيفية التعامل مع التغيرات المفاجئة في حياتهم. تقول أبو ليلة: "فقدان الأب أو الأم ليس مجرد فراغ عاطفي، بل هو تغيير جذري في حياة الطفل، يحتاج إلى تدخلات متخصصة لإنقاذ ما تبقى من طفولتهم".
الحالة النفسية لأطفال غزة الأيتام لا تقتصر على فقدان الوالدين فقط؛ بل تتأثر أيضًا بالبيئة المحيطة والضغوط النفسية المستمرة التي يعانون منها. إذ تؤكد الأخصائية النفسية أنّ كل حالة من هذه الحالات تحتاج إلى علاج نفسي خاص بها، فهناك حالات تحتاج إلى تدخلات علاجية عاجلة، خاصّة أن هؤلاء الأطفال يعيشون في بيئة مليئة بالصدمات والمشاعر السلبية.
وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية، فإن نحو 36,569 طفلًا فقدوا أحد والديهم، بينما بلغ عدد الأطفال الذين فقدوا كلا الوالدين حوالي 1,918 طفلًا، وهو ما يعكس حجم المأساة التي يعيشها هؤلاء الأطفال الذين فقدوا الأمان والعائلة في ظل الظروف القاسية.
كل هذه الأرقام تبرز حجم الكارثة النفسية التي يعيشها أطفال غزة الذين فقدوا أحباءهم في الحرب، إذ لا يحتاجون فقط إلى الرعاية، بل أيضًا إلى عناية نفسية مُركزة تساعدهم على التعافي من جروح عميقة لن تُنسى أبدًا؛ فآلام الأيتام في غزة، ليست مجرد أرقام؛ بل هي قصص حياة مستمرة، مليئة بالوجع والأمل الضائع.