لم يكن ياسر عليان (53 عامًا) يتوقع أن يعيش مرة أخرى تحت وطأة الخوف من النزوح. بعد أن نزح سابقًا من مدينة غزة إلى جنوب القطاع، متنقلًا بين خانيونس ورفح والمحافظة الوسطى، عاد قبل شهر ونصف فقط إلى منزله المتضرر جزئيًا، بعد أن أنفق مبالغ طائلة لإصلاحه.
يقول ياسر: "كنت أحاول أنا وأسرتي العودة إلى الحياة الطبيعية، لكن مع عودة الحرب وقرارات الإخلاء، أصبحت أعيش في حالة توتر دائم. أخشى أن يصدر قرار إسرائيلي بإخلاء منطقتنا في أي لحظة."
خلال فترة نزوحه السابقة، تدهورت حالة ياسر الصحية، حيث يعاني الآن من آلام شديدة في المعدة والقولون العصبي. ويوضح: "مع كل غارة جوية، تزداد أوجاعي بشكل لا يُحتمل، وأصبحت غير قادر حتى على تلبية أبسط احتياجات المنزل."
مع عودة التصعيد العسكري إلى قطاع غزة، يعيش آلاف الفلسطينيين في حالة خوف دائم من النزوح القسري، وسط تدمير واسع للمنازل وندرة المساحات الآمنة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية التي يعانيها القطاع منذ سنوات.
في يناير الماضي، أعلن عن وقف لإطلاق النار بعد حرب دامية استمرت 15 شهرًا، وُصفت بأنها "إبادة جماعية" من قبل منظمات حقوقية. لكن في 18 مارس 2025، اخترقت إسرائيل التهدئة بشكل مفاجئ، مما أسفر عن سقوط أكثر من 510 شخصًا، 70% منهم من النساء والأطفال.
مع بدء عملية عسكرية جديدة في شمال ووسط غزة، أصدرت إسرائيل أوامر بإخلاء عدة مناطق، بما في ذلك بيت حانون وبيت لاهيا شمالًا، والمناطق الشرقية جنوبًا. هذه الأوامر أعادت للأذهان مشاهد النزوح الجماعي التي شهدها القطاع خلال الحرب في الأشهر السابقة، حيث دُمرت آلاف المنازل والبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات.

وفي ظلّ هذه الظروف، يواجه النازحون مخاطر صحيّة ونفسية جسيمة. حيث يؤكد أطباء أن الأمراض المُعدِّية تنتشر بسبب الاكتظاظ في مراكز الإيواء المؤقتة، بينما يعاني الأطفال والنساء بشكلٍ خاص اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب نتيجة التعرّض المستمر للعنف وفقدان الأمان.
يتعقد الأمر أكثر فأكثر مع تقليص حجم المساحات الإنسانية التي يمكن اللجوء إليها في ظل انعدام الملاجئ، حيث يلجأ السكان إما إلى إقامة خيام في الشوارع وطرقات شبه الآمنة، أو الهروب إلى مدارس الأونروا بوصفها مراكز ايواء.
ويُعدّ قطاع غزة الذي يتجاوز عدد سكانه أكثر من 2.3 مليون نسمة، من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، حيث تصل الكثافة إلى أكثر من 5,400 فرد لكل كيلومتر مربع. هذه الكثافة تجعل أي نزوح جماعي تحديًا إنسانيًا هائلًا، خاصة في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يحد من إدخال مواد البناء أو الكرفانات (الغرف الجاهزة)، أو الخيام.
من بين آلاف القصص المؤلمة، تبرز قصة الشابة هيا مرتجى، التي انهارت ليلة خرق الهدنة. تقول والدتها: "تعرضت هيا لصدمة قوية بسبب القصف، واضطررنا لنقلها إلى المستشفى الميداني. هي الآن تعاني وضعًا صحيًا غير مستقر، وتخاف باستمرار."
هيا ليست الوحيدة، فوفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية، يعاني أكثر من 70% من سكان غزة من اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب، خاصة بين النساء والأطفال.
في جباليا شمال غزة، وقفت فاطمة صالح (44 عامًا) أمام نافذة منزلها المتضرر، تشاهد سيول النازحين من بيت حانون وبيت لاهيا. تقول فاطمة: "رفضت النزوح طوال عام ونصف، لكنني الآن أخشى أن نفقد كل شيء. إذا استمرت الحرب، سنُجبر على النزوح مرة أخرى، وهذا ما يرعبني."
في النصيرات وسط القطاع، تحزم سوزان زهير (29 عامًا) أمتعتها استعدادًا للنزوح، لكنها لا تعرف وجهتها. تقول سوزان: "لديّ أربعة أطفال، اثنان منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة. كيف يمكنني النزوح وأنا أم لطفلة لا تتحرك وتحتاج إلى رعاية خاصة؟"
سوزان لا تستطيع كبح جماح دموعها، تتوتر وتبكي مع كل غارة إسرائيلية، وكلما شاهدت فيديوهات لأمهات يودعن أطفالهن إلى مثواهم الأخير، تزداد حالتها النفسية سوءاً.

وفقًا لتقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فإن الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة في غزة هم الأكثر عرضة للخطر في أوقات النزاع. يعاني هؤلاء من صعوبات في الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم، بالإضافة إلى الصدمات النفسية التي تتركها الحرب عليهم.
في ظلّ هذا الوضع الصعب، يؤكد المختص الاجتماعي عرفات حلس أن العوامل النفسية تؤثر بشكل كبير على الأطفال خلال النزاع، كونهم من أكثر الفئات حساسية تجاه ما يحدث من حولهم. في هذا السياق، يوضح حلس أن من المهم أن يسعى الأهل إلى بث الطمأنينة في نفوس أطفالهم، خاصّة من خلال إشغالهم بأنشطة مختلفة مثل الرسم واللعب، بالإضافة إلى ممارسة تقنيات التنفس التي تساعد على تخفيف التوتر والقلق.
يعيش سكان غزة في حالة من القلق الدائم خوفًا من الموت والنزوح؛ ما يؤدي إلى ضغوط نفسية كبيرة تؤثر على سلوكهم. وأكد المختص الاجتماعي حلس أنَّ تجربة النزوح على مدار العام ونصف العام الماضي كانت قاسية جدًا، ومع بداية مرحلة الاستقرار، قد تزيد حالة التأقلم التي كانت قد بدأت، ليجدوا أنفسهم فجأة في انتظار نزوح جديد.
حول كيفية التعامل مع الخوف من النزوح بعد الاستقرار، نصح حلس الغزيين بالتحلي بالهدوء، لأنَّ العصبية والتوتر لن تفيد، بل ستزيد تأثير الضغوط على صحتهم. وقال أيضًا إنه يجب تجنب مشاهد الموت وأخبارها السيئة، وعدم التحدث بنبرة متشائمة، خاصة أمام الأطفال. وأضاف أن الروحانيات والإيمانيات من أهم ما قد يساعد في تخفيف هذا الوضع المأساوي.
يبقى سكان غزة في حالة ترقب، يعيشون بين نوبات الخوف مع كل انفجار وكل خبر عن إخلاء منطقة جديدة. ومع استمرار اختراقات وقف إطلاق النار، يبقى النزوح القسري هاجسًا يلاحق الجميع.