في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تعيش أم ياسين، سيدة في العقد الرابع من عمرها، وهي المعيلة الوحيدة لأسرتها المكونة من خمسة أفراد. زوجها عاجز عن العمل بسبب إصابته الجسدية، ولذلك تعتمد الأسرة بشكل كامل على مساعدات المنظمات المحلية والدولية.
تقول أم ياسين بنبرة مليئة بالأسى: "الأمور أصبحت أصعب من أيّ وقتٍ مضى، الأسعار ارتفعت بشكلٍ كبير، ولم أعد أستطيع تأمين احتياجات أولادي الأساسية، لا أستطيع شراء الطعام لهم وأعتمد على المعلبات غالبًا، وأحيانًا أستدين من الجيران".
وبحسب حديثها، شهدت أسواق غزة هذا الشهر زيادات حادّة في أسعار المواد الأساسية مثل السكر والزيت والأرز، ما زاد من معاناة الأسر الفقيرة مثل أسرتها، وأضاف عبئًا إضافيًا على الفئات الهشة التي تكافح لتلبية احتياجاتها اليومية.
وتشهد أسواق قطاع غزة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار السلع الأساسية خلال هذه الأيام نتيجة لإغلاق المعابر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، مما أدى إلى نقص حادّ في الإمدادات. هذا النقص في السلع انعكس بشكل مباشر على حياة السكان الذين يعانون تدهور اقتصادي كبير جرّاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي امتدت خمسة عشر شهرًا.
مع توقيع اتفاق التهدئة في 19 يناير 2025، وتدفق الشاحنات المحملة بالمساعدات إلى قطاع غزة، كانت قد انخفضت أسعار بعض السلع؛ غير أن هذا الانخفاض لم يدم طويلاً، حيث عادت الأسعار إلى الارتفاع بشكلٍ حادّ بعد إعادة إغلاق المعابر من قبل الاحتلال.
في سوق الزاوية وسط مدينة غزة، كان عبد الرحمن جابر (37 عامًا)، صاحب محلٍ صغير للمواد الغذائية، يكافح لمواكبة التقلّبات. يقول: "خلال الحرب، اضطررت لشراء السكر بسعر مرتفع لأنني كنت أخشى فقدانه تمامًا، والآن بعد وقف إطلاق النار، الأسعار انهارت وأنا أبيع بخسارة".
ويضيف وقد اعتلت وجهه علامات الحزن: "الزبائن غاضبون ويعتقدون أننا كنا نحتكر البضائع، لكن الحقيقة أننا دفعنا أسعارًا خيالية للحصول عليها، اليوم أخسر في كل كيس أبيعه، لكن لا خيار لدي سوى البيع كي أتمكن من إعادة شراء بضائع أخرى".
وبعد مرور بضع أيام على بدء سريان التهدئة شهدت الأسواق انخفاض في أسعار سلع أساسية كانت باهظة ليست في متناول اليد، كالسكر انخفض من 100 شيكل للكيلو إلى 15 شيكلًا، والفواكه من 80 شيكلًا للكيلو إلى 8 شواكل، وكذلك السجائر من 100 شيكل للسيجارة إلى 10 شواكل.
وفقًا للباحث الاقتصادي رامي الزايغ، فإنَّ هذا التذبذب في الأسعار كشف عن اختلالات أعمق في السوق. يقول الزايغ: "بينما أُغرقت الأسواق بسلع مثل الدقيق والعدس والسكر، ظلّت سلع أخرى أساسية نادرة مثل مواد البناء وغاز الطهي؛ مما أبقى بعض الأسعار مرتفعة بشكلٍ غير منطقي".
وأضاف الزايغ أنَّ هناك الفجوة بين العرض والطلب فالمساعدات الإنسانية التي تدفقت تركزت على السلع الغذائية الأساسية، بينما غابت المواد الحيوية لإعادة الإعمار. وقال: "هذا الخلل جعل الأسواق تتأرجح بين التخمة في بعض المنتجات والندرة الشديدة في منتجات أخرى، وهو ما تسبب في حالة من الفوضى الاقتصادية بدلًا من الاستقرار".
وأشار إلى أن هذا الاضطراب انعكس على سلوك التجار والمستهلكين على حدٍ سواء، فالبعض سارع إلى التخلص من بضائعه خشية تراجع الأسعار أكثر، بينما ظلّ آخرون يحتكرون بعض السلع النادرة، مما أدى إلى استمرار ارتفاع أسعارها. وأردف: "ما نشهده من ارتفاع وانخفاض للأسعار هي أزمة جديدة هي عبارة عن تشوّه اقتصادي يُفقد السوق توازنه".
وحولت الحرب إبراهيم رجب (39 عامًا)، من تاجر خضروات، يملك متجراً في سوق الشجاعية شرق مدينة غزة، إلى بائع صغير يدير بسطة على ركام السوق القديم.
يقول الرجل الذي بات ينظر بيأسٍ إلى بضائعه المكدسة، "قبل شهر، كنت أبيع الكيلو من الطماطم بـ 200 شيكلًا، اليوم بالكادّ أبيعه بـ 20 شيكلاً، ومع ذلك الطلب قليل جدًا"، يتابع حديثه بينما يحاول إقناع زبون متردد بأخذ كمية إضافية بخفض السعر أكثر.
لم يكن إبراهيم وحده من يعاني، فقد خلق تدفق المساعدات بشكل عشوائي في وقت سابق، موجة من الإغراق السلعي، وفقًا للمختص الاقتصادي أحمد أبو قمر الذي أشار إلى أن الاختلال في السوق أدى إلى وجود عدة ظواهر اقتصادية سلبية منها الإغراق السلبي فأصبح التجار يبيعون بعض المنتجات بأقل من سعر التكلفة؛ ما أدى إلى خسائر كبيرة، خصوصًا للبائعين الصغار.
في المقابل، استمرت أزمة سلع أخرى تعاني من جمود الأسعار مثل معدّات الطاقة البديلة، والالكترونيات، وسلع البناء التي ظلّت أسعارها مرتفعة بسبب القيود المفروضة على دخولها؛ مما صعّب احتمالية إعادة إعمار المنازل حتى المُدمرة جزيئًا في الوقت القريب.
وفي ظلّ غياب ما اصطلح عليه أبو قمر بـ "التنظيم الحكومي" لعدم وجود جهات تتابع الأمر، أصبحت الأسواق رهينة للتضخم فالأسعار غير مستقرة.
يقول سعيد علي صاحب مركز تعليمي، "كل يوم سعر مختلف، اشتريت لوح طاقة شمسية بـ 900 شيكل قبل أسبوعين، ولم يكفِ احتياجاتي فقررت شراء آخر فوجدت أن ثمنه تضاعف ثلاث مرات".
ووفقًا لنتائج دراسة نشرها "مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية" في فبراير 2025 فإن البضائع المستوردة في قطاع غزة تُشكِّل 65% من المعروض، مقابل 25% للمنتجات المحلية و10% للسلع المهربة. ورغم وفرة بعض السلع، تعاني 70% من العائلات في تأمين الغذاء، ويعتمد 85% من السكان على المساعدات.
كما تواجه الأسواق نقصًا في 40% من الأدوية، وارتفعت أسعار السلع الأساسية 120%، بينما يعاني قطاع الإنشاءات من ندرة المواد بنسبة 90%. يواجه 60% من التجار أزمات مالية، و75% من المشاريع الصغيرة مهددة بالإغلاق بسبب ارتفاع التكاليف وضعف القدرة الشرائية.
هذه الاضطرابات في الأسعار لم تكن وليدة اللحظة، فقد جاءت بعد "تضخم قاتل" حسبما وصفه مختصون اقتصاديون جاء جرّاء تضاعف الأسعار نتيجة الحرب بشكلٍ غير مسبوق مع إغلاق المعابر وشُح البضائع واحتكار بعض التجار للسلع الأساسية؛ مما جعل الحصول على الكثير من السلع حلمًا بعيد المنال.
وتشير البيانات البحثية إلى أنّ أسعار السلع الزراعية خلال الحرب قد ارتفعت بنسبة 400%. كما قفز سعر السكر بنسبة 534%، والبنزين بعشرة أضعاف، بينما أصبحت السجائر المستوردة سلعة فاخرة. أما الدقيق الأبيض فقد ارتفع بنسبة 155.41% خلال الحرب؛ مع صعوبة في توفره سواء شمال القطاع أو جنوبه ولكن فتراتٍ متقاطعة بين المنطقتين؛ مما جعل إمكانية الحصول عليه أشبه بمعركة حقيقية في أسواق قطاع غزة.
أم علي أبو عبادة (52 عامًا) التي تقيم في إحدى الخيام المقامة على ساحل مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، تتنقل بين الأسواق بحثًا عن دقيق بسعر معقول يمكنها شرائه.
تقول السيدة أم علي التي تعيل خمسة أبناء، "كنت أشتري الكيس بخمسة شواكل، وفجأة صار الكيلو بـ 30 شيكلًا! لم يعد بإمكاني إعداد الخبز يوميًا، وصرنا نعيش على وجبة واحدة فقط، فيما أصبحنا نحلم برؤية الخبز على مائدتنا ونشتهي مذاقه".
وأوضحت السيدة التي اعترت ملامح وجهها تعاسة وكآبة غيّرت لون بشرتها إلى الداكن، أن إغلاق المعابر، أضحت ورقة ابتزاز للسكان الذين يعانون الجوع وانعدام الخدمات على مختلف المستويات.
المختص في الشأن الاقتصادي، أحمد أبو قمر، يقول إنّ تأثير هذا التضخم في أسعار مختلف السلع لم يكن مقتصرًا على الأرقام فحسب، بل كان له تدّاعيات كبيرة أهمها أنّه انعكس مباشرة على القوة الشرائية، إذ تراجعت بشكلٍ حادّ خلال العام 2024 بحوالي 70% وارتفع مؤشر غلاء المعيشة بنسبة 522%؛ ما جعل العديد من الأسر غير قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية.
كما شهدت الأسواق ركودًا حادًا في البيع والشراء بسبب عدم قدرة المواطنين على تحمل الأسعار المرتفعة، ويقول أبو قمر: "إلى جانب خسارة التجار الكبيرة فقد انخفض دخل الباعة والتجار، خاصة أصحاب البسطات، الذين يعتمدون على البيع اليومي لإعالة أسرهم".
وامتدّت تدّاعيات ارتفاع الأسعار لجوانب أخرى إذ لم تنحصر في حركة (البيع والشراء)؛ بل شهد قطاع غزة أزمة في الوقود والمواصلات أيضًا نتيجة ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 1032% والديزل بنسبة 377% بسبب منع الاحتلال دخول المحروقات والوقود من معابر القطاع؛ مما زاد من أزمة النقل ورفع تكاليف التشغيل.
أشار أبو قمر إلى اختفاء بعض السلع من الأسواق في ذروة الحرب؛ ما تسبب في ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية والزراعية بمعدلات قياسية (مثل ارتفاع أسعار البطاطا بنسبة 571%، والسكر بنسبة 534%)، كما تضرر القطاع الزراعي، إذ تراجعت قيمته المضافة بنحو 91%، مما جعل الاعتماد على الاستيراد الذي كان صعبًا للغاية ضروريًا وأدى إلى مزيد من الغلاء الفاحش.
ويعزو تسبب الحرب بما يعرف بالانكماش المالي والنقص الشديد في السيولة، إلى فقدان مصادر دخل عشرات الآلاف من العائلات في قطاع غزة، نتيجة الحرب وتدمير الألاف من المشاريع والورش والمتاجر، بالإضافة إلى نفاد المدخرات، وإغلاق المصارف؛ مما فاقم الأزمة الاقتصادية فارتفعت مؤشرات البطالة من 45% (قبل الحرب) إلى 80% (خلال الحرب وبعدها) وأصبحت معظم الأسر بلا أي مورد مالي منتظم وتعتمد على المساعدات الإنسانية.
ماجد لولو، رجل أربعيني من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، كان يعمل نجارًا لإعالة أسرته المكونة من 8 أفراد، لكن الحرب الأخيرة دمرت ورشته التي طالما صنع فيها الأثاث للزبائن بأجود الأنواع وأحدث الأطرزة؛ لكن بعد تدميرها فقد مصدر رزقه الوحيد، ووجد نفسه عاجزًا عن تأمين احتياجات أبنائه الأساسية.
وفي ظلّ أسواق مشلولة وارتفاع حادّ في الأسعار، حاول الرجل البحث عن أي عمل خلال الحرب، حتى كبائع متجول، لكن ضعف القدرة الشرائية جعله غير قادر على بدء أي مشروع صغير.
اليوم يعتمد لولو على المساعدات الغذائية، لكنّه يشعر بالمرارة، إذ يقول: "يوجعني كثيرًا أن أقف في طابور لانتظار طرد غذائي بعدما كان بيتي عامرًا بالمونة التي أشتريها من عرق جبيني خاصة في رمضان". ومع ذلك يحلم بإعادة بناء ورشته يومًا ما رغم ارتفاع أسعار الخشب والمواد وفناء المعدات والآلات.
يعود عدم الاستقرار في أسعار داخل أسواق قطاع غزة إلى عدة عوامل، يجملها الباحث الزايغ في غياب الإنتاج المحلي بعد تدمير 90% من القطاع الصناعي و91% من القطاع الزراعي، وعدم وجود سياسات حكومية واضحة لضبط الأسواق ومنع الاحتكار، وكذلك شح السيولة لدى المواطنين بعد فقدان مصادر الدخل.
يقول الزايغ: "الاقتصاد في غزة يعتمد بالكامل على الاستيراد، وعندما يتعطل التدفق الطبيعي للسلع، تحدث تشوهات كبيرة، إما غلاء فاحش أو انخفاض غير منطقي، وفي الحالتين المتضرر هو المواطن البسيط".
وانعكس الغلاء الفاحش والتشوه الاقتصادي في غزة على الحالة النفسية والاجتماعية للسكان، يشير المختص الاجتماعي والنفسي عرفات حلس، إلى أن مشاعر القلق والاكتئاب تفاقمت نتيجة الضغوط المعيشية، خاصة بين النازحين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
ويؤكد حلس أن هذه الأوضاع تؤدي إلى اضطرابات نفسية وسلوكية، تشمل التوتر الأسري والعدوانية لدى الأطفال. كما تسبب تقلب الأسعار واحتكار السلع في تآكل الثقة المجتمعية. في ظلّ ذلك، يؤكد الخبراء ضرورة توفير دعم نفسي واجتماعي متكامل، إلى جانب سياسات اقتصادية مستقرة تعزز الشعور بالأمان والاستقرار لدى المواطنين.
لمعالجة الأزمة الاقتصادية، يوصي المختص الاقتصادي أبو قمر بإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، خصوصًا الزراعة والصناعة، لتقليل الاعتماد على الواردات، وفرض رقابة صارمة على الأسواق لمنع الاحتكار وضبط الأسعار، بالإضافة إلى ضمان تدفق مستقر للسلع، بحيث يتناسب مع احتياجات السكان الفعلية، وكذلك ضرورة السماح بدخول المواد المحظورة، مثل معدات إعادة الإعمار والوقود، لدعم تعافي الاقتصاد المحلي.
بينما تتأرجح الأسعار بين الغلاء الحاد والانخفاض المفاجئ، يواجه سكان غزة معركة يومية لتأمين احتياجاتهم، في ظل سوقٍ مضطرب تفاقمه حالة عدم اليقين السياسي، مما يثير التساؤل: هل يتعافى الاقتصاد أم تصبح التشوهات واقعًا دائمًا؟